ذلك مبلغهم من العلم: حين اختزلت الحركة الإسلامية السودان في شهوة السلطة

 م. معاوية ماجد

قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾
في سياق قرآني بالغ القسوة والدقة، لا يهاجم الجهل البسيط، بل يصف نوعا أخطر من الجهل: جهلٌ يظن نفسه علما، وعقلٌ يتوهم أنه أدرك الحقيقة كاملة بينما هو غارق في سطح الدنيا وزينتها.
فالمشكلة ليست في قلة المعرفة، وإنما في ضيق الأفق الروحي والأخلاقي حتى يصبح الإنسان عاجزا عن رؤية ما وراء مصالحه المباشرة وشهواته العاجلة.
وتبدو هذه الآية اليوم كأنها مرآة موجعة للتجربة الإسلامية السياسية في السودان؛ تلك التجربة التي بدأت بشعارات النهضة والرسالة والمشروع الحضاري، ثم انتهت إلى دولة منهكة، ومجتمع ممزق، وحرب تلتهم ما تبقى من الروح الوطنية.
لقد دخلت الحركة الإسلامية السودانية إلى المجال العام وهي تزعم أنها تحمل “فكرة”؛ مشروعا أخلاقيا يسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان والدولة وفق قيم العدالة والكرامة والإيمان.
ولم تكن الأزمة في الدين نفسه، ولا في القيم الروحية التي يحملها، بل في الطريقة التي جرى بها اختزال الدين داخل مشروع سلطوي مغلق، حوّل الإيمان من أفق أخلاقي واسع إلى أداة في معركة النفوذ والسيطرة.
ومع مرور الزمن، تحولت الحركة من جماعة تحمل الفكرة إلى سلطة تلتهمها الغريزة السياسية.
ومن هنا يبدأ المعنى العميق للآية: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾.
أي أن أقصى ما بلغوه لم يكن بناء الإنسان، ولا ترسيخ العدالة، ولا صناعة وطن متماسك، بل السيطرة، والتمكين، وإدارة النفوذ، وإحكام القبضة على الدولة والمجتمع.
لقد اختزلت الحركة الإسلامية الدين، وهو أفق أخلاقي وإنساني هائل، في جهاز سياسي مغلق.
واختزلت الوطن، بكل تنوعه وتعقيده التاريخي والثقافي، في مشروع تنظيمي ضيق يرى السودان مجرد ساحة لإثبات الهيمنة.
وحين يحدث هذا الاختزال، يصبح كل شيء قابلا للتبرير: القمع، والإقصاء، وصناعة الخوف، واستخدام الدين كسلاح رمزي، بل وحتى تحويل الصراع السياسي إلى معركة وجودية لا مكان فيها للتعدد أو التوافق الوطني.
كانت الحركة تتحدث عن “المشروع الحضاري”، لكنها عمليا بنت دولة أمنية أكثر مما بنت دولة مؤسسات.
وتحدثت عن الأخلاق بينما تمددت شبكات الفساد والمحسوبية تحت ظلها.
ورفعت شعارات الزهد، فإذا بطبقة كاملة من المنتفعين تنشأ حول السلطة والثروة والامتيازات.
وهنا تظهر المفارقة القرآنية المؤلمة: قد يمتلك الإنسان خطابا دينيا كثيفا، لكنه يظل محدود الرؤية، أسير الدنيا، عاجزا عن إدراك المعنى الحقيقي للعدل والرحمة وكرامة الإنسان.
إن أخطر ما فعلته الحركة الإسلامية بالسودان ليس فقط الخراب السياسي أو الاقتصادي، بل التشويه العميق للوعي الجمعي.
فقد جرى خلط الدين بالسلطة حتى أصبح كثير من الناس يرون فشل التجربة السياسية وكأنه فشل للدين نفسه.
وهذه واحدة من أكثر الكوارث الفكرية قسوة؛ لأن السلطة حين تتلبس المقدس، فإن سقوطها لا يسقط وحدها، بل يسحب معه ثقة الناس في القيم التي ادعت تمثيلها.
ولذلك فإن الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة حكم، بل أزمة وعي أيضا؛ أزمة جماعة ظنت أن امتلاكها للحقيقة يبرر احتكارها للوطن، وأزمة نخبة سياسية لم تدرك أن الدولة الحديثة لا تُدار بالعقيدة التنظيمية المغلقة، بل بالتعاقد الوطني الواسع، والاعتراف بالتنوع، واحترام الإنسان بوصفه مواطنا لا تابعا.
وبعد أن أطاحت ثورة ديسمبر بالحركة الإسلامية وأخرجتها من مركز السلطة، بدا وكأن البلاد تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء المجال السياسي على أسس وطنية جديدة.
غير أن الحركة، التي تشكل وعيها طويلا داخل منطق التمكين والاحتكار، بدت غير قادرة على التكيف مع واقع سياسي جديد يقوم على التعدد وتداول السلطة.
ومع انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر على الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، عادت شبكات النفوذ القديمة إلى الواجهة، ودخلت البلاد مرحلة أكثر اضطرابا وتعقيدا.
ومنذ ذلك الوقت، تصاعدت حالة الاستقطاب السياسي بصورة حادة، وتزايدت الاتهامات المتبادلة بين القوى المختلفة بشأن المسؤولية عن تعطيل الانتقال المدني، وتعميق الانقسامات، وإعادة إنتاج الصراع داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
كما برزت أدوار إعلامية وتنظيمية متشابكة داخل السودان وخارجه ساهمت في تغذية حالة الاستقطاب والتشكيك المتبادل، في لحظة كانت البلاد أحوج ما تكون فيها إلى التوافق الوطني.
ثم جاءت الحرب الكارثية بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتكشف حجم التآكل الذي أصاب الدولة السودانية عبر سنوات طويلة من الصراع على السلطة، وضعف المؤسسات، وتغليب الولاءات السياسية والتنظيمية على فكرة الدولة الوطنية الجامعة.
وهكذا وجد السودان نفسه يدفع مرة أخرى ثمن معارك النفوذ والاستقطاب، بينما تتآكل الدولة، ويتشظى المجتمع، ويتحول الوطن إلى ساحة استنزاف مفتوحة.
لقد تعاملت الحركة الإسلامية مع السودان، في كثير من مراحل تجربتها، بعقلية “الغنيمة المؤجلة”.
وحين استولت على الدولة، تصرفت كما لو أنها وصلت إلى نهاية التاريخ، لا إلى بداية المسؤولية.
ومن هنا انفصلت تدريجيا عن المجتمع، حتى أصبحت غير قادرة على رؤية الألم الحقيقي للناس: الفقر، والهامش، والحروب، والانهيار الأخلاقي، وتفكك النسيج الوطني.
وكانت تنظر إلى كثير من القضايا من زاوية البقاء في السلطة، وكأن الوطن مجرد أداة داخل معركة التنظيم الكبرى.
وهذا بالضبط ما تكشفه الآية الكريمة في عمقها الفلسفي: قد يبلغ الإنسان درجات عالية من التنظيم والدهاء والخبرة السياسية، لكنه يظل محدودا ومبتورا إذا فقد البوصلة الأخلاقية والروحية.
قد يعرف كيف يسيطر، لكنه لا يعرف كيف يبني.
وقد يعرف كيف ينتصر مرحليا، لكنه يعجز عن صناعة وطن صالح للحياة.
والنتيجة التي يقف عندها السودان اليوم ليست حادثا عابرا، بل حصيلة طبيعية لمسار طويل من اختزال الدولة في الجماعة، والوطن في الأيديولوجيا، والدين في السلطة.
فحين يصبح “التمكين” أعلى من الإنسان، لا يعود الخراب احتمالاً، بل نتيجة تكاد تكون متوقعة.
وربما كانت المأساة الأشد إيلاما أن الحركة الإسلامية، وهي ترفع رايات الدين، لم تنتبه إلى الحقيقة القرآنية الكبرى: أن الله لا يُختزل في مشروع سياسي، وأن الإيمان لا يقاس بطول الشعارات، بل بقدرة الإنسان على إقامة العدل، وصيانة الكرامة الإنسانية، ومنع الظلم.
ولهذا تبدو الآية اليوم، بعد كل هذا الخراب، وكأنها ليست مجرد توصيف أخلاقي، بل حكم تاريخي كامل على التجربة كلها:
﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾
أي أن كل ذلك الضجيج الأيديولوجي، وكل ذلك الادعاء المعرفي والأخلاقي، انتهى في آخر المطاف إلى رؤية قصيرة، ومعرفة ناقصة، وعجز كارثي عن فهم معنى الوطن، ومعنى الإنسان، ومعنى الدين نفسه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.