الجميل الفاضل يكتب: انكسار “قيد القاف”.. وبداية “عصر الفتح من باب الخاء”
قبل نحو أربع سنوات من اندلاع حرب السودان، أماط الشيخ اليمني حسن التهامي اللثام عن وقوع هذه الحرب، مؤكداً أن مجرد قيامها يعد شارة بدءٍ لأمرٍ عظيم ظلت الدنيا بأسرها تنتظره.
إذ قال، وفق تعبيره:
“إذا رأيتَ السودان قد اخضنت واخضلَّت، فالأمر قد بدأ.
فهو علامة الأمر الذي تنظرون، وله تنتظرون”.
لكن “خبراً تاليا”، من ذات منابع الغموض، حمله مخطوط غريب زعم أحد الباحثين أنه عثر على نسخة أصلية منه في جامعة خليجية ـ لم يسمِّها ـ وصُنِّف المخطوط باعتباره رسالة في “علم الجفر”، تتضمن إشارات ونبوءات مطلسمة، نُشرت تحت عنوان:
“قُمْ يا صاحب الخرطوم، وأفصِل بين الظالم والمظلوم”.
ليقول النص:
“فرحتِ الأصحاب بقدوم المُهاب، وبأتيِ الموصول والفعل يتحول، بحكمٍ جديد في أرض الصعيد، بالحرب الشديد وتمزيق الأبدان، في قتل ملك السودان. قُم يا صاحب الخرطوم، وفرِّق بين الظالم والمظلوم، وحارب بالأسحار، واقتل الكفار، فأنت السفّاك، ووزيرك الهتّاك، قد يقتلك بآن، ويرحل منك الأوطان ـ وفي المخطوط: ويرح منك الأوطان ـ ويُعمَّر بك الأكفان، ويأتي الجنود بعساكر القيود وكتائب الجنود، سبحان الملك الودود، الزرع صافٍ، في قتل القاف، وقدوم الأغراب في مُلِّ الغراب، ويناقش أرباب الأقلام بالنقض والإبرام، عزلٌ وتولية، وإخراجٌ وإدخال، وحلٌّ وربط، وعلى يده فتح باب الخاء فتدبر.
ثم قال: وأما عام فرد الشين، ففي غاية ورود الجبل الأصفر وقيام قطّان الجبال ونزولهم على المرج، فيالها من متعبةٍ أعظمها في العموم والحضور، حتى يشاع خبرها في الأقطار، ويفرح بقيامها الأشرار، وأصل قيامها حرف غين وحرف حاء”.
وفي خبرٍ آخر غزل على ذات المنوال، كان الشيخ الصوفي بشير الصامت قد أصدر ما يشبه “نشرة برتقالية” على طريقة الإنتربول، قبل عام من الحرب، ألقاها كرسالة مفتوحة في بريد الجنرال البرهان، محذراً ـ بشكل غير مباشر ـ من مغبة ما وقع لاحقاً، وأن نهاية البرهان ربما تكون أشد قسوة من نهاية البشير.
هنا تفسر مصادر تنشط وراء هذا الأفق إن سحابة “الغين” و”الحاء”، التي أظلّت البلاد ردحاً من الزمن، بدأت الآن تتحلل إلى ذرات صغيرة من نور، إيذاناً بانتهاء صلاحية “نافورة الدم” التي تنبأ بها شيوخ كبار قبل اندلاع هذه الحرب ذاتها.
كما تشير وقائع باطنة اخري إلى أن “صاحب الوقت” الموعود قد بدأ في مغادرة مقام “الحرب بالأسحار” ليدخل مقام “الفصل بين الظالم والمظلوم”.
فيما تؤكد الوقائع أن إشارات الشيخ اليمني حسن التهامي، بأن الأرض التي “اخضنت واخضلّت” بدماء الأبرياء، قد أضحت هي نفسها في مرحلة التمهيد لإنبات “الزرع الصافي”، بعد أن استهلكت الحرب ذروة شرِّها المنطوي على خيرٍ مستتر.
عموماً، خلف ضجيج العواصم، هناك “تأويل” يجري في ساحة لا تسمع ولا تري، يقول إن المجاعة التي سكنت البيوت، والنزوح الذي أرهق الناس، لم يكونا سوى “عملية تصفية” كبرى للنفوس، تهيئةً لحدثٍ عظيم قادم، يقود إلى سقوط “قداسة الزيف” عن كل من اعتلى صهوة السلطة بغير وجه حق، تمهيداً لظهور قائد لا يُعرف بمنصبه، لكن بـ”أثره” في جبر كسور القلوب المنكسرة.
في مرحلةٍ عنوانها صون “كنز اليتيمين”، بإقامة “جدار” الدولة على قواعد “الصلاح” لا “المصالح”، في مشهد سيدهش كل من لم يصبر على “خرق سفينة” الوطن في سنوات التيه والضلال.
فالسماء التي “احمرّت” ستبدأ في تضميد جراحها بوردةٍ بيضاء، تعيد للسودان دوره كسُرَّةٍ للأرض وكمصبٍّ للأنوار.
على أية حال، فإن “خبر الغد” الذي ننتظره لا يتمثل في مجرد توقيع اتفاقية، بل في “طمأنينةٍ للقلوب” ستسري بين الناس فجأة، بلا مقدمات، ودون سبب معلوم.
إذ إن ضرباً من “اللطف الخفي” سيدخل حينها لترميم ما دمرته حكمة هذه الحرب اللعينة.
في هذا المقام، فإن الأحداث اليومية الجارية الآن لا تعدو أن تكون مجرد “ظلال” لحقائق علوية أبعد، تستدعي قراءة أعمق لما وراء مثل هذه الأخبار.
فحروف: الغين، والحاء، والخاء، بقراءة باطنية، ليست أصواتاً فحسب، وإنما هي “طاقات” ومراحل:
فالحرفان “الغين” و”الحاء” يرمزان ـ في هذا السياق ـ إلى:
(الغُمّة، الغياب، الغرق)، وإلى:
(الحرب، الحيرة، الحجاب).
وهي مراحل “المخاض” العنيف التي مر بها السودان، حين كان الخبر مكتوماً خلف جدار الدم.
لكن، في ظني، أن حرف “الخاء” سيكون مفتاح الخبر القادم؛ إذ يرمز كذلك إلى:
(الخروج، الخلاص، والختم).
فما وراء هذا الخبر يشير إلى أننا لسنا أمام “هدنة” عابرة، بل أمام “فتح” اعمق في بنية الدولة، حيث ينكسر “القيد” ـ القاف ـ ليبدأ عصر عنوانه النيابة عن الحق في إقامة العدل.
ولذا فإن “قيد القاف” الذي تحدث عنه المخطوط، يبدو وكأنه قيد المرحلة القديمة كلها؛
قاف القبيلة،
وقاف القهر،
وقاف القطيع،
وقاف القصور التي بُنيت فوق جماجم الفقراء.
أما “الخاء”، فهي الجهة المقابلة من الحكاية:
خاء الخروج،
وخاء الخلاص،
وخاء الخشوع بعد طول استكبار.
حيث يكون فارس المرحلة هو “الفعل” الذي يرمم الجراح، لا الشعارات التي تتغذى على الرماد؛ وهو القائد الذي تفرزه ضرورات القدر، لا الصناديق الفارغة.
فما وراء خبر “تمزيق الأبدان” و”هلال النحوس”، تكمن فلسفة “الإتلاف من أجل الاستبقاء”.
لقد كانت “سفينة السودان” القديمة متهالكة، ومع ذلك كان هناك “ملك ظالم” ـ منظومات الفساد والاستبداد القديمة، والتبعية، والارتهان ـ يريد اغتصابها غصباً.
فالخبر يقرأ الحرب هنا بوصفها “خرقاً إلهياً” لهذه السفينة؛ لتبدو معيبة في عين الطامعين، بينما يُحافَظ على جوهرها لأصحابها الحقيقيين:
“المساكين الذين يعملون في البحر”.
غير أن الخسارات المادية الهائلة تظل هي الثمن المدفوع لحماية تلك “السيادة الروحية” على الأرض.
كما أن هناك إشارة إلى عملية “كيميائية” تجري على الشخصية السودانية أو من داخلها، من خلال حربٍ عملت كـ”كير الحداد”، في إحراق شوائب: الأنانية، والعنصرية، والزيف السياسي.
إنها مرحلة “الفرز” الكبرى بين من “فرح بالقيام” ـ الأشرار ـ ومن “صبر على التأويل” ـ الموقنون.
والخبر يؤكد أيضاً أن “إقامة الجدار” ـ بناء الدولة ـ لن تبدأ إلا إذا وجد “الرجل الصالح” الغلامين، أي الأجيال القادمة، اللذين يحفظ لهما “كنزهما”: ثروات السودان الهائلة، وهويته المتميزة العظيمة.
فالرسالة هنا تقول:
لا تنتظروا إعماراً من “مقاولين” ماديين، لكن انتظروا “إعماراً” ببركة الصلاح.
إنها أخبار لا تبشر بـ”نهايات سعيدة” كما في الأفلام، لكنها تبشر بـ”نهاية صحيحة” وفق مفهوم القدر؛ ذلك القدر الذي يقول إن السودان يُعاد إعداده ليكون “مختبراً” لليقين الإنساني، وأن كل قطرة دم سُفكت على أرضه كانت “حبراً” لكتابة فصلٍ جديد في تاريخه، بل ربما في تاريخ البشرية بأسرها.
لكن هل يجرؤ “أرباب الأقلام” الكسيحة، على قراءة “النقض والإبرام” بما يتطلبه عمق الحكاية كما ينبغي؟
أم سيظلون يحللون الغبار، ويتركون الإعصار؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.