والله يا جماعة، المشهد السياسي السوداني أصبح أغرب من أفلام السينما الهندية، مع كامل الاحترام للدراما الهندية نفسها.
الناس الذين كانوا حتى الأمس القريب يصفون أي شخص في الدعم السريع بأنه تشادي، ونهاب، وود ضيف، وأم كعوك، إلى آخر سيل الشتائم والأوصاف، هم أنفسهم اليوم يشاركون في العرضة ويفتحون صواوين الفرح لأن قادة من نفس هذا الكعوك قرروا تغيير وجهتهم.
أولاً: فقه التحلل السياسي
الغريب في الأمر أن البلابسة ومؤيدي الحرب يمتلكون قدرة عجيبة على غسيل السمعة في ثانية واحدة.
الشخص يكون بالنسبة لهم مخرباً ومرتزقاً، وبمجرد أن يعلن انشقاقه، يتحول فوراً إلى ابن السودان البار والقائد الغيور.
أين ذهبت التشادية التي أغلقتم بها الأسواق؟
وأين أولاد الضيف الذين كنتم تقولون إنهم لا وجعة لهم في البلد؟
سبحان الله، كأن صكوك الوطنية تُمنح وفق المصلحة العسكرية اللحظية، لا وفق المبادئ.
ثانياً: الاحتفال فوق الأشلاء
الاحتفال بالانشقاقات يكشف شيئاً واحداً، أن هؤلاء لا تعنيهم المحاسبة ولا العدالة.
فإذا كان سافنا، أو أبو عاقلة كيكل، أو النور قبة، أو غيرهم قد أخطأوا في حق الشعب، فإن تغيير الموقف السياسي لا يمحو الجرم.
لكن البلابسة يريدون نصراً معنوياً بأي ثمن، حتى لو كان الثمن أن يبتلعوا كل كلامهم السابق، ثم يجلسوا للتصفيق لكعوك الأمس.
ثالثاً: هل هذه نهاية الحكاية؟
التاريخ القريب، الذي لا يحتاج إلى كثير عناء، يقول لنا إن الرهان على القطاعي رهان فاشل.
فالحرب والسلام ليسا لعبة كراسي؛ إنه الشخص نفسه، بالعقلية نفسها، وبالقوات نفسها، فقط غيّر الإشارة على الكتف.
الخوف كل الخوف أن يكون الانفجار القادم نتيجة لهذه الترضيات، ونتيجة لأن الدولة أصبحت أشبه بسوق للولاءات؛ تشتري هذا وتبيع ذاك، بينما المواطن المغفل النافع يجلس في المنتصف، يصفق نهاراً ويبكي ليلاً.
كلمة أخيرة للراكبين الموجة
يا جماعة، الوطنية ليست مزاجاً.
والشخص الذي كان تشادياً ومرتزقاً في نظرك قبل أسبوع، لا يمكن أن يصبح ود بلد اليوم فقط لأنه اختلف مع حميدتي.
هذا البلد يحتاج إلى صدق مع النفس أولاً، ويحتاج إلى حكم مدني يُحاسب الجميع، لا إلى جيش يجمع الناس من كل الجهات ليحكم بهم.
غداً سيكتب التاريخ، والذاكرة السودانية، رغم التعب، ما تزال يقظة ولا تمحو الأرشيف.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.