حين يتسلّل الكوز… من بوابة التملّق إلى مقاعد كبار المراقبين

حسن عبد الرضي

المدعو عبدو أمبدي، مؤتمر وطني وكوز يحمل كل رذائل جماعته. معروف بذلك لدى كل أهل رهيد البردي. في فترة هذه الحرب اللعينة العبثية، ذهب إلى بورتسودان ليؤكد للبرهان أن التعائشة جميعهم معه. وبعد هذا التملّق، لم يستطع أن يرجع إلى الرهيد. فطار إلى مصر، حيث وجد ضالته مع كيزان السجم هناك، ناس دكتور “فلان بن علّان”، حيث الصداقة—وما أدراك ما الصداقة—فأصبح، بقدرة قادر، كبيرًا للمراقبين، مع أنه لم يدخل يومًا فصلًا، ولو بالغلط، ولا علاقة له بالتربية والتعليم. فسبحان الله!

ليست المشكلة في فردٍ بعينه، ولا في حادثةٍ معزولة، بل في نمطٍ متكرر ظلّ يطارد السودان لعقود: نمط “الكوز” الذي لا يعيش إلا على هامش السلطة، يتغذّى على الفوضى، ويترقّى لا بالكفاءة، بل بالولاء والتملّق.

هذا النموذج الذي طرحته ليس استثناءً، بل هو صورة مكبّرة لمرضٍ قديم: كيف يتحوّل شخص بلا مؤهلات حقيقية، ولا تاريخ مهني يُذكر، إلى “صاحب موقع” فقط لأنه يجيد طرق أبواب التملّق، ويعرف كيف يقول “نعم” في الوقت المناسب، ولمن يستحق ومن لا يستحق.

القضية هنا ليست فقط في ادعاء تمثيل قبيلة، أو التحدّث باسم مجتمع دون تفويض—فهذه واحدة من أخطر سمات الكيزان—بل في الجرأة على الكذب المنظّم، وتسويق الوهم للسلطة، وكأن الشعوب قطيع يُساق بتوقيع أو وعد.

ثم نصل إلى جوهر المأساة: تزييف معايير الاستحقاق. كيف يمكن لمن لم يعرف الفصل الدراسي يومًا، ولم يقف أمام سبورة، أن يُنصَّب “كبير مراقبين” في مؤسسة تعليمية؟

كيف تُقصى الكفاءات الحقيقية—معلمون أفنوا أعمارهم في خدمة التعليم، ويحملون الشهادات والخبرة—ليُستبدلوا بأصحاب العلاقات والولاءات؟ هذه ليست مجرد مفارقة… هذه جريمة أخلاقية في حق التعليم.

في القاهرة اليوم، كما في غيرها من مدن اللجوء، يعيش عشرات—بل مئات—من المعلمين السودانيين في ظروف قاسية. منهم من لا يجد ثمن الدواء، ومنهم من ينتظر فرصة عمل تحفظ له كرامته. هؤلاء لم يطلبوا امتيازات، ولم يسعوا إلى مناصب عليا، بل اكتفوا بطلب “المراقبة” كأدنى حق مهني… ومع ذلك حُرموا.

وفي المقابل، يُفتح الباب واسعًا لمن لا علاقة له بالمهنة، فقط لأنه يحمل بطاقة الولاء القديمة، أو لأنه أعاد إنتاج نفسه في ثوبٍ جديد داخل الشبكة نفسها.

وهنا تتجلّى المأساة كاملة: ليس سقوط فرد، بل سقوط معيار. ليس فساد شخص، بل فساد منظومة.

إن الكيزان—أينما حلّوا—يحملون معهم الأدوات نفسها: شبكات مغلقة، وتبادل مصالح، وإقصاء للكفاءات، وتقديم الولاء على حساب الوطن. قد تتغير الوجوه، لكن العقلية ثابتة: “نحن أولى، ولو بلا حق”.

وما لم يُكسر هذا النمط، سيظل التعليم—وغيره من مؤسسات المجتمع—ساحةً للعبث، يُقصى منها أهلها، ويُقدَّم فيها الغرباء.

القضية ليست انتقامًا من شخص، بل دفاعًا عن مبدأ: أن يكون الموقع لمن يستحق، لا لمن يتسلّق. وأن يُعاد الاعتبار للمعلم الحقيقي، الذي يُقصى اليوم في صمت، بينما يُكافأ من لا يستحق في ضجيج العلاقات.

لقد آن الأوان لطرح السؤال بصوتٍ عالٍ: من يحكم المعايير؟ الكفاءة… أم الولاء؟ فإن كانت الإجابة هي الولاء، فليست هذه مؤسسات… بل إقطاعيات. وإن كانت الكفاءة، فلا بد من مراجعة شاملة تعيد الأمور إلى نصابها. أما الصمت، فهو الشريك الأخطر في استمرار هذه المهزلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.