ليست كل الهزائم سقوط سلطة؛ بعضها سقوط المعنى حين تفقد الذات مرآتها، وحين ينهار العرش فوق رؤوس من ظنوا أن البلاد خُلقت لتبقى تحت أقدامهم إلى أن «يسلّموها لعيسى عليه السلام»، كما زعم بعضهم ذات خطاب.
لذلك تبدو أزمة الإسلاميين في السودان أعمق من مجرد الخروج من الحكم. إنها هلع من وطن يعود إلى أهله، ودولة ترجع إلى قانونها، ومؤسسات تفلت من قبضة التنظيم. سلطة ينقلب فيها الميزان: من الطاعة إلى الكفاءة، ومن الجماعة إلى الدولة، ومن الولاء إلى الوطن.
ما يعيشه السودان اليوم ليس عاصفة هبطت من فراغ، ولا ناراً اشتعلت في هشيم السياسة صدفة. هو حصاد مرّ لسنوات استُبدلت فيها الدولة بالشبكة، والوطن بالغنيمة، والخدمة العامة بخدمة المشروع. حين تُبنى السلطة على الولاء لا على الكفاءة، وعلى التمكين لا على العدالة، فإنها لا تنتج دولة تُدار، بل خراباً يتوارث داخل التنظيم نفسه.
وحين اقترب شبح العدالة في عهد الثورة، لم ترتجف أفراد متفرقة، بل ارتجفت بنية كاملة تغذّت طويلاً على غياب المساءلة. لم يكن الخوف من فقدان المناصب وحده، بل من انكشاف ما وراءها: تاريخ الثروة التي نُهبت، والسطوة التي تمددت، والامتياز الذي تنكّر في هيئة الدولة.
من هنا يصبح استمرار الحرب أقل كلفة من مواجهة الحقيقة، ويغدو خراب الوطن أهون من سقوط النفوذ. هنا تتجلى المأساة: تتحول الدولة إلى رهينة خوف، ويتحول الشعب إلى ثمن، ويتحول الموت اليومي إلى جسر لنجاة سياسية مؤقتة.
لم تعد الحرب معركة بنادق فقط، بل معركة مواقع ومخاوف ومصائر. بعض الأصوات التي تتحدث عن السلام لا تنطق بدافع السلام؛ تتبدل نبرتها مع تبدل الحسابات. بعض الدعوات إلى التفاوض لا تولد من حب الوطن، بل من قلق المستقبل. كأن المطلوب ليس إيقاف الحرب، بل إعادة ترتيب المقاعد قبل أن ينطفئ المسرح ويبدأ الحساب.
لذلك تُدار محاولات العودة عبر الشباك لا عبر الأبواب؛ بهمس لا بصوت، وبجرعات ناعمة من براغماتية مغلفة بشعارات الواقعية. يلين خطاب أردول فلا يعبّر عن نفسه بقدر ما يعبّر عن شبكة فساد كان لاعباً فيها. يهدأ معمر موسى حين تُختبر المسارات التي تتصارع في الخفاء. يتحرك كيكل وبقال والنور قبة والسافنا حين تتبدل خرائط الميدان، لا كأسماء منفصلة، بل كإشارات على جسد سياسي واحد يحاول ترتيب نفسه داخل العاصفة.
في الوقت نفسه تُستدعى شخصيات محسوبة على الثورة، وتُدوَّر وجوه صنعتها الحرب، وتعلو أصوات كانت تهتف للحسم ثم صارت تتحدث عن الحكمة. كأن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحدث؟ بل: كم تبقّى من تعب الناس ليقبلوا ما كانوا يرفضونه بالأمس؟
الحرب نفسها لم تعد ساحة قتال فحسب؛ تحولت إلى آلة ضخمة لتعليق السياسة وخنق الأسئلة. صوت الرصاص لا يعلو فوق صوت الحقيقة فقط، بل فوق صوت الوجع، وصراخ الأمهات، وعدالة مؤجلة وحرية مخنوقة.
لكن قوى ثورة ديسمبر تدرك أن خفوت البنادق ليس حدثاً عسكرياً فقط، بل لحظة سياسية كبرى. حين تصمت المدافع، يعود الناس إلى الشوارع. وحين يعود الناس، يعود السؤال الذي يُرعب الجميع: من قتل؟ من نهب؟ من دمّر؟ ومن يجب أن يقف أمام العدالة؟
لهذا يبدو شعار «بل بس» عند البعض أكثر من رغبة في الحسم؛ إنه خوف دفين من لحظة ما بعد الحرب. من يوم يعود فيه الناس من المتاريس إلى السياسة، ومن البنادق إلى السؤال، ومن الصمت إلى المحاسبة.
لقد دمّرت الحرب الجسور والمطارات والمدن، لكنها قبل ذلك دمّرت شيئاً أخطر: المسافة الأخلاقية بين السودانيين أنفسهم. حين تتحول القبيلة إلى خندق، والجهة إلى راية، والكراهية إلى لغة يومية، يصبح الوطن غريباً في أهله، وتصبح العودة إلى ما قبل الدم أشبه بالمستحيل.
وفوق هذا الركام تتحرك الأيدي الإقليمية والدولية في وضح النهار، حتى باتت شعارات السيادة والكرامة تُرفع فوق مسرح تتقاطع فيه المصالح أكثر مما تتقاطع الإرادات. ومع ذلك، تبقى العقدة الحقيقية أكثر بساطة وأكثر فزعاً: هناك من يرى أن السلام قد يفتح باب العدالة، وأن العدالة قد تغلق باب النفوذ إلى الأبد.
لهذا يصبح استمرار الفوضى حماية، ويصبح الخراب خياراً، ويصبح تعليق الوطن نفسه وسيلة لتعليق الحساب. ليست معركة من أجل السودان، بل معركة خوف من السودان حين يستعيد عافيته.
ويبدو المشهد أحياناً وكأن بعض الفلول والإسلاميين مستعدون لأن يروا البلاد تتشظى حجراً حجراً، ما دام ذلك يؤجل لحظة الحقيقة والمحاسبة.
وهنا تتجسد الفكرة في صورتها الأكثر قسوة: حين يصبح سقوط النفوذ أخطر من سقوط الوطن، يتحول الخراب من كارثة إلى خيار. وتلك هي لحظة «هدم المعبد عليّ وعلى أعدائي».
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.