من أبرز التحولات الفكرية والسياسية التى شهدها العالم فى نهايات ثمانينات وبدايات تسعينات القرن الماضى سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفيتى والكتلة الاشتراكية.
وقد اعتبر كثيرون تلك اللحظة نهاية لحقبة الحداثة الأولى، وسقوطاً لما عرف بـ”السرديات الكبرى” grand narratives التى حاولت تفسير الواقع الإنسانى المعقد عبر تعميمات شاملة، مثل الماركسية وغيرها من الأيديولوجيات المغلقة.
ومع ذلك التحول، بدأت المجتمعات الحديثة تدرك أن المجتمع الأفضل ليس ذلك الذى يفرض نموذجاً واحداً على الجميع، بل المجتمع الذى يتيح فرصاً متساوية لمواطنيه بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العقيدة، ويوفر الحد الأدنى من الحقوق الأساسية كالسكن والتعليم والرعاية الصحية، دون أن يصادر فى الوقت نفسه طموحات الأفراد أو اختلاف قدراتهم.
أى مجتمع يوازن بين العدالة الاجتماعية وحرية الفرد، دون محاولة صب البشر فى قالب واحد كما فى أسطورة “سرير بروكرست” الإغريقية.
المفارقة السودانية أن انقلاب الإنقاذ عام ١٩٨٩م جاء فى الاتجاه المعاكس تماماً لمسار التاريخ الإنسانى آنذاك.
فبينما كانت الإنسانية تتجه نحو فكرة “المجتمع المفتوح” القائم على تكافؤ الفرص والمؤسسات الحديثة، جاءت الحركة الإسلامية فى السودان بمنطق “التمكين” empowerment أى احتكار الوظائف والفرص القيادية لعضوية التنظيم، لا على أساس الكفاءة أو التأهيل، بل على أساس الولاء التنظيمى، انطلاقاً من تصور يرى أن مجرد الانتماء للحركة يمنح صاحبه تفوقاً أخلاقياً وقدرةً على القيادة.
وهكذا، تحولت الدولة من مؤسسة يفترض أن تخدم جميع المواطنين إلى أداة فى يد جماعة سياسية تتعامل مع المجتمع باعتباره تابعاً لها لا شريكاً فى الوطن.
وتم فصل عشرات الآلاف من الخدمة المدنية والمؤسسات العسكرية خلال تسعينات القرن الماضى، وشُردت أسر كاملة تحت شعارات الصالح العام، بينما كانت معايير الكفاءة تُستبدل بمعايير الولاء.
لكن الأخطر من ذلك أن نظام الإنقاذ لم يكتفِ بإعادة إنتاج اختلالات “دولة ٥٦”، بل عمّقها بصورة أكبر.
فالدولة السودانية منذ الاستقلال ظلت تمنح امتيازات التعليم والخدمات والتوظيف بصورة أكبر لمناطق الشمال والوسط النيلى على حساب بقية المكونات الإثنية والثقافية، غير أن الإنقاذ ضيّقت تلك الامتيازات حتى داخل النخب النيلية نفسها، عبر حصرها فى الدائرة التنظيمية والولاءات المرتبطة بها.
ومن هنا تعززت القبلية والعلاقات العشائرية بصورة غير مسبوقة، لأن الناس حين تفقد الثقة فى عدالة الدولة تلجأ تلقائياً إلى القبيلة والعائلة والجهة طلباً للحماية والفرص.
وهكذا أصبح المجتمع السودانى أكثر انغلاقاً وتفككاً فى اللحظة نفسها التى كانت فيها المجتمعات الحديثة تتجه نحو المزيد من الانفتاح والمواطنة والمؤسسات.
وعلى عكس مقولة الطيب صالح الشهيرة: “من أين أتى هؤلاء؟”، فإن الحقيقة ربما أكثر تعقيداً.
فالإسلاميون ليسوا كائناً غريباً هبط على السودان من الخارج، بل هم جزء من البنية الاجتماعية والثقافية نفسها، غير أنهم مثلوا ـ فى لحظة تاريخية معينة ـ التعبير الأكثر تركيزاً عن عيوب المجتمع السودانى: الاستعلاء، والإقصاء، واحتكار الحقيقة، وتغليب الولاء على الكفاءة.
ولذلك لم يكن مشروع التمكين انحرافاً طارئاً بقدر ما كان تكثيفاً لأزمات كامنة فى بنية الدولة والمجتمع منذ الاستقلال.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.