الغول والعنقاء والخلّ الوفي… ورابعهم الجيش السوداني

الصادق حمدين

قال صفي الدين الحلي:

أيقنتُ أنَّ المستحيلَ ثلاثةٌ

الغولُ والعنقاءُ والخِلُّ الوفي

ولو عاش الحلي في هذا الزمان السوداني الكئيب المثقل بالآلام والأحزان، لأضاف إلى قائمته مستحيلاً رابعاً: و“الجيش السوداني” كما يُقدَّم لنا في الخطب والشعارات وبيانات التعبئة والأغاني الوطنية والأهازيج الحماسية.

أكاد أغرق في متاهة الدهشة كلما سمعت أحدهم يتحدث بثقة مطلقة عن وجود جيش سوداني مكتمل التشكيلات والعقيدة والانضباط، وكأننا نتحدث عن مؤسسة وطنية راسخة يعرف الناس حدودها وواجباتها وعقيدتها القتالية.

لكن ما إن تحاول الاقتراب من هذا الكيان المزعوم حتى تتبدد الصورة سريعاً، فلا ترى أمامك سوى مجموعات مسلحة متناسلة، تتعدد أسماؤها وراياتها، لكنها تعود إلى أصل سياسي وتنظيمي واحد، هو “المشروع الحضاري” الوهمي الذي ورث الدولة تمكيناً ثم صادر جيشها تفكيكاً.

يقولون لك بفم ملئه اليقين: “الجيش السوداني”، وكأن الاسم وحده يكفي لإثبات الوجود.

لكن أين هو هذا الجيش؟

أين المؤسسة التي تُبنى على المهنية، والتدرج العسكري، والانضباط، والعقيدة الوطنية الجامعة؟

أين الجيش الذي يعرف الناس شروط الانتماء إليه، وتقاليده، ومراسمه، وهيبته التي تتمثل في حماية الوطن ودستوره؟

لقد كنا نحفظ قديماً شروط التجنيد كما تُحفظ البديهيات: أن يكون المتقدم سوداني الجنسية، لائقاً طبياً، بلغ الثامنة عشرة، يجيد القراءة والكتابة.

كانت هناك ـ على الأقل ـ صورة ذهنية لمؤسسة تحكمها لوائح معلنة وقوانين معروفة.

أما منذ انقلاب الجبهة الإسلامية المشؤوم، فقد بدأ الجيش يتلاشى تدريجياً، لا كأفراد أو معسكرات، بل كمفهوم وطني جامع.

حلّت الولاءات العقائدية محل الكفاءة، والانتماء التنظيمي محل الانتماء الوطني، وتحول السلاح من أداة لحماية الدولة إلى وسيلة لحماية السلطة.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: “أين هو الجيش”؟

بل صار تساؤلاً: “هل بقي هناك جيش أصلاً”؟

فالذين يرفعون في غباء طوعي شعار “جيشن واحد شعبن واحد” يتحدثون عن مؤسسة لم يعد لها وجود إلا في اللغة والشعارات وخيالهم المغيب بفعل فاعل.

وحين تحاصرهم الأسئلة، يقولون لك في براءة خبيثة إنهم يدافعون عن “المؤسسة”، وكأن المؤسسة هي تلك المباني القديمة التي أصبح قاطنيها من طيور البوم وشعارات مطبوعة على جدران متسخة فقدت لونها فأصبحت جدارية من التراب والغبار والفشل.

لكن المؤسسة العسكرية ليست بوابة وحجارة وخنادق وثكنات، بل عقيدة وطنية، وسلسلة قيادة تمثل “كل أقاليم السودان”، وقوانين تحكم الجميع بلا استثناء.

فإذا غابت هذه كلها، فما الذي يبقى غير الاسم وليته كان اسم يحمل مضمونه وشكله ومعناه الذي تواضعت عليه الدول المحترمة والتي اعتبرت جيشها حامي للدولة من التهديدات الخارجية لا حاكماً أبدياً بأمره؟

ثم متى رأى السودانيون آخر مرة ذلك “المجروس” الذي يحمل الجنود النظاميين وهم يرددون جلالاتهم العسكرية المعروفة؟

متى رأوا جيشاً يتكوّن من أبناء الوطن كافة، لا من كتائب أيديولوجية مغلقة مهمتها قتل وذبح الأبرياء؟

متى شعر المواطن أن هذا السلاح وُجد لحمايته لا لإخضاعه وإذلاله وقتله وتشريده؟

إن ما جرى خلال العقود الماضية لم يكن مجرد إضعاف لمؤسسة عسكرية على علّاتها، بل كان عملية استبدال كاملة: تفكيك الجيش لصالح شبكات من الكتائب والميليشيات والولاءات الخاصة.

ولذلك صار من العبث الحديث عن “جيش قومي” بينما الواقع مليء بتشكيلات متنافرة لا يجمعها سوى ارتباطها بالمركز السياسي الذي صنعها لحمايته من الشعب السوداني، وهذا هو الواقع المعاش لا ينكره إلا مجرم قاتل أدمن الدماء أو لص سارق لخيرات هذا البلد المنكوب.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس هزيمة جيشه، بل اختفاء فكرة الجيش نفسها، وتحولها إلى وهم يُستخدم لتخويف الناس أو لتبرير استمرار الخراب.

وعندما يصبح الاسم أكبر من الحقيقة، والشعار أكبر من المؤسسة، فإن الوطن كله يدخل مرحلة خطيرة يصبح فيها المستحيل ممكناً، ويصبح الوهم هو الواقع الوحيد المعروض على الناس.

ان هذا الجيش المزعوم قد ولد قبل ان تولد الدولة الوطنية وهذا مستحيلاً خامساً يُضاف لبيت شعر صفي الدين الحلي، فمتى رأينا ابن يكبر أباه سناً؟

فهذا الذي كان يسمى جيشاً صنع لحماية سلطة المستعمر وحمل جينات حماية السلطة حتى تفكيكه بواسطة قبيلة بني كوز لترثه مليشيات الظل لتقوم بذات المهمة القذرة وهي الدفاع عن السلطة القائمة.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: “أين يقف الجيش”؟

بل: “هل بقي في السودان جيش بالمعنى الوطني للكلمة”؟

وحتى يجد السودانيون إجابة صادقة، سيظل “الجيش السوداني” عند كثيرين – وأنا بلا أدنى شك أحدهم – أقرب إلى الغول والعنقاء والخل الوفي: فكرة تتردد كثيراً، لكن لا أحد يراها على أرض الواقع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.