كيف تحولت شركات الجيش وشبكات الإسلاميين إلى إمبراطوريات مالية خارج الرقابة؟
تقرير: عين الحقيقة
يثير ملف الشركات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية في السودان جدلًا متصاعدًا، في ظل اتهامات تتعلق بغياب الرقابة والشفافية على قطاعات اقتصادية توصف بأنها من بين “الأكثر ثراءً” في البلاد. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الشركات، التي توسعت بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، أصبحت لاعبًا رئيسيًا في قطاعات استراتيجية تشمل التعدين، والصناعات العسكرية، والاتصالات، والزراعة، والاستيراد والتصدير. وبحسب مراقبين، فإن تعقّد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية خلال سنوات حكم الرئيس المعزول عمر البشير ساهم في تشكل شبكات اقتصادية متداخلة يصعب فصلها عن مراكز النفوذ السياسي والأمني.
مراقبون: الحركة الإسلامية اعتمدت طوال سنوات حكمها على بناء شبكة اقتصادية موازية هدفت إلى تأمين النفوذ السياسي والمالي بعيدًا عن مؤسسات الدولة التقليدية.
شركات الجيش… إمبراطورية اقتصادية موازية
خلال فترة حكم “الإنقاذ”، توسعت الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بصورة غير مسبوقة، مستفيدة من الإعفاءات القانونية والامتيازات الاقتصادية وغياب الرقابة البرلمانية. ويقول الباحث الاقتصادي الدكتور مأمون إبراهيم: “الاقتصاد العسكري في السودان لم يعد مجرد نشاط محدود لدعم القوات المسلحة، بل تحول إلى منظومة مالية ضخمة تملك نفوذًا واسعًا داخل السوق السوداني”. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن هذه الشركات تنشط في قطاعات عالية الربحية، ما منحها قدرة مالية ضخمة مقارنة بمؤسسات الدولة المدنية التي عانت من التدهور خلال السنوات الماضية.
الإسلاميون والاقتصاد الموازي
يرى مراقبون أن الحركة الإسلامية اعتمدت طوال سنوات حكمها على بناء شبكة اقتصادية موازية هدفت إلى تأمين النفوذ السياسي والمالي بعيدًا عن مؤسسات الدولة التقليدية. وشملت هذه الشبكات شركات استثمارية، ومؤسسات مالية، وواجهات تجارية، إلى جانب استثمارات داخل وخارج السودان. وبعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، بدأت تقارير تتحدث عن عمليات واسعة لنقل الأموال وإعادة توزيع الأصول، تحسبًا لأي إجراءات قانونية أو قرارات مصادرة.
تهريب الأموال بعد سقوط البشير
بحسب مصادر سياسية واقتصادية، فإن بعض القيادات والشخصيات المرتبطة بالنظام السابق عملت على تهريب جزء من الأموال والأصول إلى الخارج عقب سقوط النظام. ويقول الباحث في الاقتصاد السياسي عادل الطيب: “ما جرى بعد 2019 لم يكن مجرد خروج سياسي من السلطة، بل عملية إعادة تموضع مالية معقدة هدفت إلى حماية الثروات والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق”. ويرى مراقبون أن حالة السيولة السياسية والأمنية التي أعقبت سقوط البشير ساهمت في تسهيل حركة الأموال والأصول، في ظل ضعف مؤسسات الرقابة والانقسام داخل السلطة الانتقالية.
أين ذهبت الأموال؟
تشير تقديرات إلى أن جزءًا من هذه الأموال جرى تحويله إلى استثمارات صغيرة أو محافظ مالية وعقارية خارج السودان، بينما بقي جزء آخر يتحرك عبر شبكات تجارية غير رسمية. كما يتحدث مختصون عن استخدام أنظمة الحوالات التقليدية وشبكات تجارة الذهب والعملات لتجنب الرقابة المصرفية الدولية. ويرى خبراء أن هذه الأموال لم تُستخدم فقط لحماية المصالح الاقتصادية، بل أيضًا لتمويل الأنشطة السياسية والتنظيمية المرتبطة بالحركة الإسلامية.
تمويل التنظيم وتحركاته
بحسب متابعين للشأن السوداني، فإن الشبكات المالية المرتبطة بالإسلاميين لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على تماسك التنظيم بعد فقدانه السلطة رسميًا. ويقول المحلل السياسي محمد الفاتح: “التنظيم الإسلامي في السودان اعتمد تاريخيًا على الاقتصاد الموازي لضمان بقائه، ولذلك لم يؤدِ سقوط النظام إلى انهيار كامل للبنية المالية المرتبطة به”. وتشير معلومات متداولة بين باحثين إلى أن بعض هذه الأموال تُستخدم لتغطية النفقات التنظيمية والإعلامية، إلى جانب دعم تحركات عناصر مرتبطة بالتنظيم داخل السودان وخارجه.
يؤكد خبراء اقتصاديون أن واحدة من أكبر أزمات الاقتصاد السوداني تتمثل في وجود قطاعات ضخمة خارج الرقابة المدنية والمؤسسات الرسمية.
الحرب أعادت تنشيط شبكات النفوذ
مع اندلاع الحرب في السودان، عاد ملف الاقتصاد الموازي إلى الواجهة بقوة، خصوصًا مع تراجع قدرة الدولة على فرض الرقابة على الأسواق والحدود والموارد الطبيعية. ويرى مراقبون أن بيئة الحرب وفرت ظروفًا مثالية لنشاط شبكات التهريب وتجارة الذهب والسلاح والعملات، ما عزز نفوذ المجموعات الاقتصادية المرتبطة بمراكز القوى العسكرية والسياسية.
غياب الشفافية والمحاسبة
يؤكد خبراء اقتصاديون أن واحدة من أكبر أزمات الاقتصاد السوداني تتمثل في وجود قطاعات ضخمة خارج الرقابة المدنية والمؤسسات الرسمية.
ويقول الخبير الاقتصادي عثمان ميرغني: “أي إصلاح اقتصادي حقيقي في السودان لن ينجح دون إخضاع الشركات العسكرية والشبكات الاقتصادية الكبرى للشفافية والمساءلة”. ويرى مختصون أن استمرار الاقتصاد الموازي يعرقل جهود إعادة بناء الدولة ويقوض فرص الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
لجنة التفكيك… المعركة التي لم تكتمل
بعد الثورة، حاولت لجنة إزالة التمكين تفكيك بعض الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق، عبر مصادرة شركات وأصول واسترداد ممتلكات. لكن تلك الجهود واجهت مقاومة سياسية وقانونية كبيرة، قبل أن تتوقف عمليًا عقب التطورات السياسية والانقلاب العسكري في أكتوبر 2021. ويرى مراقبون أن توقف مسار التفكيك سمح بإعادة ترتيب كثير من الشبكات المالية المرتبطة بالنظام السابق.
السودان بين اقتصاد الدولة واقتصاد النفوذ
يرى محللون أن الأزمة السودانية الحالية ليست سياسية وعسكرية فقط، بل هي أيضًا صراع عميق حول السيطرة على الاقتصاد والموارد.
ففي مقابل الاقتصاد الرسمي المنهك، تنمو شبكات اقتصادية مرتبطة بالسلاح والنفوذ السياسي، مستفيدة من غياب الدولة وتراجع المؤسسات الرقابية. تكشف قضية شركات الجيش والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحركة الإسلامية عن أحد أكثر الملفات تعقيدًا في السودان ما بعد البشير.
فبين اقتصاد الدولة الرسمي واقتصاد النفوذ الموازي، يظل السؤال مطروحًا: هل يستطيع السودان يومًا إخضاع هذه الإمبراطوريات المالية للرقابة والمحاسبة، أم أن الحرب ستجعلها أكثر قوة ونفوذًا في المستقبل؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.