لم يعد السؤال المطروح داخل كثير من الدوائر الإقليمية والدولية هو: كيف ينتصر البرهان في الحرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر تداولاً: هل ما زال البرهان أصلًا قادرًا على إنهاء هذه الحرب؟ خلال الأشهر الأخيرة، بدأت تتسرب من كواليس السياسة الإقليمية والدبلوماسية أحاديث متزايدة عن نقاشات تجري بهدوء حول “البديل المحتمل” داخل المؤسسة العسكرية السودانية، في ظل تراجع الثقة بقدرة عبد الفتاح البرهان على إدارة الأزمة أو الوصول إلى تسوية تنهي الانهيار الذي يضرب البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات.
هذه النقاشات لم تأتِ من فراغ. فالبرهان الذي قدّم نفسه منذ بداية الحرب باعتباره الرجل القادر على “حسم المعركة” وإعادة الاستقرار، وجد نفسه مع مرور الوقت أمام واقع مختلف تمامًا: حرب مفتوحة بلا نهاية، دولة منهكة، اقتصاد ينهار، عزلة سياسية متزايدة، وتضخم نفوذ الجماعات الإسلامية والمليشيات المسلحة داخل معسكره نفسه.
الأخطر أن كثيرًا من العواصم الإقليمية التي دعمت البرهان في بداية الأزمة بدأت تدرك أن استمرار الحرب لم يعد مجرد تهديد للسودان، بل تحول إلى عبء أمني واستراتيجي على المنطقة بأكملها. فالفوضى السودانية لم تعد محصورة داخل الحدود، بل امتدت إلى ملفات الهجرة والحدود والسلاح والاقتصاد وأمن البحر الأحمر.
ولهذا، فإن السؤال عن “بديل البرهان” لم يعد من المحرمات السياسية كما كان في السابق. بعض الدوائر الإقليمية باتت ترى أن الرجل استُنزف سياسيًا وعسكريًا، وأنه أصبح أسيرًا لتحالفات معقدة داخل المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية، تجعله غير قادر على اتخاذ قرارات حاسمة باتجاه السلام أو التسوية السياسية.
في المقابل، تحاول قيادات داخل معسكر بورتسودان التمسك بالبرهان باعتباره “الغطاء الشرعي” الأخير القادر على الحفاظ على توازنات السلطة الحالية. لكن حتى داخل هذا المعسكر بدأت تظهر مخاوف حقيقية من أن استمرار الحرب بلا أفق قد يؤدي في النهاية إلى انهيار شامل يصعب احتواؤه.
الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن البرهان لم يعد يملك زمام المشهد بالكامل كما كان في السابق. فالحرب أعادت تشكيل مراكز القوة داخل السودان، وخلقت واقعًا معقدًا تتحرك فيه المليشيات، والتيارات الإسلامية، والحركات المسلحة، وشبكات المصالح الاقتصادية، كلٌّ وفق حساباته الخاصة.
وفي ظل هذا التشظي، تبدو قدرة أي قائد عسكري على فرض حل منفرد محدودة للغاية. لكن النقاش حول “البديل” لا يعني بالضرورة أن هناك توافقًا إقليميًا أو دوليًا واضحًا حول شخصية بعينها. فالأزمة السودانية أعقد بكثير من مجرد تغيير شخص في قمة السلطة. المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة النظام الذي أنتج الحرب، وفي غياب مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة على أسس مدنية ومؤسساتية.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول فكرة “ما بعد البرهان” يعكس حجم التحول الذي حدث في نظرة الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى الأزمة السودانية.
فالرجل الذي كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره شريكًا ضروريًا في إدارة المرحلة الانتقالية، أصبح اليوم بالنسبة لكثيرين جزءًا من الأزمة نفسها.
الإسلاميون يدركون خطورة هذه التحولات أكثر من غيرهم، ولذلك يتمسكون باستمرار الحرب باعتبارها الضمانة الوحيدة لبقاء نفوذهم داخل المؤسسة العسكرية. فهم يعلمون أن أي تسوية سياسية حقيقية، أو أي إعادة هيكلة لمراكز القوة داخل الجيش، قد تعني نهاية مشروعهم في العودة إلى السلطة عبر البوابة العسكرية.
لكن السودان لا يمكن أن يبقى رهينة لهذه الحسابات إلى الأبد. الملايين الذين شردتهم الحرب لا يعنيهم من يحكم بقدر ما يعنيهم أن تتوقف الحرب ويعود الحد الأدنى من الدولة والحياة. والسودانيون الذين خرجوا في ثورة ديسمبر لم يضحوا من أجل استبدال جنرال بآخر، بل من أجل إنهاء الحلقة الجهنمية التي تربط السلطة بالسلاح والانقلابات والتحالفات الأيديولوجية.
لذلك، فإن أي حديث عن “بديل البرهان” لن يكون ذا معنى إذا لم يكن جزءًا من مشروع أوسع ينهي الحرب ويعيد السلطة إلى المدنيين ويؤسس لدولة لا تتحكم فيها البنادق ولا الجماعات المؤدلجة. أما استمرار تدوير الأزمة داخل نفس المنظومة، فلن يقود إلا إلى إطالة عمر الكارثة السودانية، مهما تغيرت الأسماء والوجوه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.