الخرطوم وخطيئةُ المركز الكبرى

دكتور الوليد آدم مادبو

 

ثمّة مقالاتٌ تُقرأ بوصفها رأيًا سياسيًا عابرًا، وثمّة نصوصٌ أخرى تتحول — بقصدٍ أو بغير قصد — إلى مرايا نفسية تكشف هشاشة الاجتماع البشري ساعة الانهيار. ومن هذا الباب يمكن قراءة مقال الكاتب محمد الفاتح حضرة المعنون: «لن يعود الناس إلى الخرطوم كما كانوا أبدًا». فالنص، رغم لغته الانفعالية الحادة، ليس مجرد رثاءٍ لمدينةٍ مدمَّرة، بل شهادة وجدانية على لحظة انكسارٍ أخلاقي عاشها السودانيون وهم يشاهدون الخرطوم تسقط، لا فقط تحت القذائف، بل تحت وطأة انهيار الثقة بين الناس أنفسهم.

 

ولعلّ أكثر ما منح المقال قوته هو صدقه العاطفي حين تحدّث عن مشاهد النهب واقتحام البيوت و«خذلان الجيران والأقارب»، أو حين أشار — بحق — إلى أنّ الجهات التي كان يُفترض أن تحمي المواطن قد ساهمت أحيانًا في قتله وترويعه ونهبه. وهذه ليست مبالغة أدبية، بل توصيفٌ دقيق لمأزق الدولة السودانية الحديثة: دولةٌ احتكرت السلاح لكنها عجزت عن احترام القانون، ورفعت شعار السيادة بينما فشلت في إنتاج العدالة.

 

غير أنّ خطورة المقال تبدأ حين ينتقل من وصف الألم إلى تفسيره بمنطقٍ جوهراني (primordialist logic) يُوحي بأنّ الفقر نفسه مصدرٌ للشر، وأنّ سكان الأحزمة الطرفية حول الخرطوم يحملون في تكوينهم الاجتماعي نزعةً أصيلة نحو الحقد والكراهية والعنف. هنا يغادر النص مساحة النقد السياسي إلى منطقةٍ أكثر خطورة، لأنّه يختزل جماعاتٍ بشرية كاملة في “طبائع ثابتة”، متجاهلًا أنّ البشر تُشكّلهم الشروط التاريخية والاجتماعية بقدر ما تُشكّلهم الأخلاق الفردية.

 

فالذين نزحوا إلى الخرطوم من الرعاة والمزارعين لم يأتوا لأنّهم مولعون بالفوضى أو مدفوعون بغريزة النهب، بل لأنّ *الحروب التي أشعلها المركز، إلى جانب غياب التنمية المتوازنة، دمّرت الاقتصاد المنتج في الأطراف ودَفعت ملايين الناس قسرًا نحو العاصمة*. لقد استهلك المركز الأقاليم لعقود، ثم تفاجأ — ساعة انهياره — بأنّ البؤس الذي راكمه على تخومه قد انفجر في وجهه.

 

وهنا ينبغي التفريق بين الفهم والتبرير. فالنهب جريمة، والاعتداء على الناس جريمة، وخذلان الجار لجاره سقوطٌ أخلاقي لا يمكن تجميله. لكنّ تفسير هذه الجرائم عبر شيطنة الفقراء أو تصوير الهامش باعتباره خزانًا بدائيًا للكراهية، لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها؛ لأنّه يعيد إنتاج العقلية الاستعلائية التي ساهمت أصلًا في تمزيق السودان.

 

لقد كشفت الحرب حقيقةً ظلّت النخب السودانية تهرب منها طويلًا: أنّ المشكلة لم تكن فقط في “الأشرار” الذين حملوا السلاح، بل في بنية دولةٍ كاملة قامت على التفاوت والإقصاء واحتكار السلطة والثروة. فالمركز لم يفشل فقط في تنمية الأطراف، بل فشل حتى في دمجها أخلاقيًا ونفسيًا داخل المشروع الوطني. ولهذا، حين غابت الدولة، لم ينهَر الأمن وحده؛ انهارت أيضًا الفكرة الهشّة التي كانت تُسمّى “الوحدة الوطنية”.

 

وفي قلب هذه الأزمة تقف المؤسسة العسكرية بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في تشكيل السودان الحديث. فالجيش، منذ تشكّلاته الأولى في العهد التركي-المصري ثم الحقبة الاستعمارية، لم يتطوّر بوصفه مؤسسةً وطنية محايدة، بل بوصفه أداةً للضبط والسيطرة وإخضاع المجال السوداني الواسع لمركزٍ سياسي ضيق. ولذلك تحوّلت العلاقة بين الدولة والأطراف إلى علاقة أمنية أكثر منها وطنية، وصار السلاح وسيلةً لإدارة التنوع بدل أن يكون أداةً لحماية العقد الاجتماعي.

 

لكنّ الإنصاف يقتضي أيضًا ألّا نختزل القوات النظامية نفسها في صورة “الوحش المتخم”. فغالبية الجنود وصغار الضباط يعيشون أوضاعًا اقتصادية قاسية، بينما تحتكر قلةٌ من القيادات العسكرية والأمنية شبكات الاقتصاد الريعي والامتيازات والاستثمارات المغلقة. لقد التصق الاقتصاد بالسلطة حتى صار المنصب العسكري طريقًا للثروة، لا للتضحية والخدمة العامة. وهكذا نشأت طبقة طفيلية صغيرة تغتني من الحرب والاحتكار والإعفاءات، بينما يُترك الجنود العاديون نهبًا للفقر والإحباط والعنف النفسي.

 

ومن هنا فإنّ الأزمة السودانية ليست أخلاقية فقط، بل بنيوية ومؤسسية في المقام الأول: بنيوية لأنّ الدولة نفسها تأسست على اختلال العلاقة بين المركز والهامش، ومؤسسية لأنّ الاقتصاد تحوّل إلى تابعٍ للسلطة والسلاح، وسلوكية لأنّ مؤسسات العنف الرسمية كثيرًا ما استوعبت فاقدي التأهيل التربوي والأخلاقي دون بناءٍ حقيقي لعقيدة وطنية تحترم الإنسان بوصفه مواطنًا لا رعية.

 

لقد اعتاد السودانيون — خاصة في لحظات الانهيار — على تمثّل دور الضحية المطلقة، مع أنّ الخراب لا يولد من فراغ، بل من تراكم الظلم واختلال العدالة حتى تبلغ المجتمعات لحظة الانفجار. ولعلّ من أبلغ التصاوير القرآنية في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾؛ حيث تتجاور “البئر المعطلة” رمز خراب معاش الناس، مع “القصر المشيد” رمز الترف والتفاوت، في تصويرٍ قرآني مهيب لعاقبة المجتمعات التي تسمح بتحوّل الظلم إلى بنيةٍ اجتماعية وسياسية.

 

ومع ذلك، فإنّ أخطر ما يمكن فعله اليوم هو تحويل هذه المأساة إلى حربٍ أخلاقية بين السودانيين أنفسهم: مركز “متحضّر” في مواجهة هامش “همجي”، أو فقراء “حاقدين” في مواجهة نخب “بريئة”. فهذه اللغة ليست حلًا، بل امتدادٌ للمشكلة ذاتها.

 

إنّ الشعوب الحيّة لا تُقاس بقدرتها على البكاء فوق الأطلال، بل بقدرتها على النقد الذاتي وإعادة بناء عقدها الاجتماعي على أسس العدالة والمواطنة. والسودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير النخب ذاتها، ولا إلى تبديل الميليشيات براياتٍ جديدة، بل إلى مشروعٍ سياسي وأخلاقي يعيد تعريف الدولة نفسها: دولةٌ تفصل بين الاقتصاد والسلطة، وتُخضع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية، وتوزّع التنمية بعدالة، وتعيد الاعتبار للإنسان السوداني بوصفه مواطنًا كامل الحقوق لا تابعًا لقبيلة أو بندقية أو مركز.

 

ختامًا، لقد كتب محمد الفاتح حضرة نصًا صادمًا وموجعًا، لكنه — في كثير من لحظاته — كان يصف أعراض المرض أكثر مما يشرح جذوره. أمّا السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يؤرّقنا جميعًا فليس: لماذا نُهبت الخرطوم؟ بل: كيف أنتجت الدولة السودانية، عبر عقودٍ طويلة، الشروط التي جعلت ذلك ممكنًا أصلًا وبذات الطريقة المريعة؟

 

‏May 15, 2026

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.