لبرهان رئيس عينة”: المسؤولين في السلطة الحاكمة، ورؤساء الحركات المسلحة يرفضون تنفيذ قراراته وتوجيهاته!!

بكري الصائغ

من تمعن بدقة وامعان شديد في الوضع السياسي الذي عليه البرهان اليوم بصفته رئيس يحكم البلاد، يلمس علي الفور إنه في حال مزرى بمعني الكلمة، ويندر أن يكون هذا الوضع الغريب له شبيه عند رئيس أخر.
فمنذ أن استلم زمام أمور البلاد في يوم الخميس ١١/ أبريل ٢٠١٩، قبل سبعة اعوام مضت وحتى اليوم، وهو يعاني باستمرار من عدم احترام المسؤولين في السلطة الحاكمة السابقة والحالية تنفيذ قراراته وتوجيهاته.
لقد لمس البرهان بنفسه علي مر السنوات كيف استهزأت وسخرت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق “سلام جوبا” من قراراته العسكرية والسياسية، ولسان حالها يقول للبرهان عن القرارات “بلها واشرب مويتها”.
وضع البرهان المزري كرئيس دولة، والأمثلة كثيرة لا تحصي ولا تعد لكثرة حالاتها.
فمثلا -على سبيل المثال لا الحصر-، ولتاكيد الوضع الغريب الذي عليه البرهان الان، نشرت صحيفة “الراكوبة” في يوم الجمعة ١٥/ مايو الحالي ٢٠٢٦، خبر جاء تحت عنوان “خلافات داخل معسكر بورتسودان.. النور القبة يرفض الاندماج بالقوات البرية ويتمسك بقوة مستقلة موالية للجيش”.
وجاء في جزء من الخبر الصاعق: “وبحسب المعلومات، فإن النور القبة أبلغ قيادات عسكرية رفيعة برفضه الكامل لأي ترتيبات تؤدي إلى تفكيك قواته أو إدماجها المباشر داخل المؤسسة العسكرية التقليدية، مطالباً بالاعتراف بها كقوة مساندة مستقلة، على غرار قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل، ولواء البراء بن مالك، إضافة إلى القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة.”
وبعد ان نشرت “الراكوبة” الخبر، سرعان ما ظهر علي الفور في الساحة السياسية سؤال محير مفاده: “من أين استمد اللواء/ النور القبة هذه القوة والجسارة وتحدي البرهان ورفض الاندماج بالقوات البرية بالقوات المسلحة؟!!”
وظهر أيضا سؤال اخر اكثرة حيرة من الاول: “هل يعقل ان يقوم جنرال برتبة لواء بمخالفة رئيس برتبة فريق أول، وفوق ذلك هو (البرهان) رئيس دولة؟!!”
بالطبع، هذه الجرأة عند النور القبة ومخالفته الواضحة لقرار البرهان لم تاتي من فراغ، وليست هي المرة الأولى التي يقوم فيها ضابط بمخالفة البرهان.
فقد ظل “حميدتي” طوال سنوات عديدة يعارض البرهان في قراره ضم “قوات الدعم السريع” وذوبانها داخل القوات المسلحة، وحتي اخر يوم قبل الحرب، كان “حميدتي” متمسك وبعناد شديد عملية الدمج.
بل وصل الامر ب”حميدتي”، أن هدد البرهان علانية وعلى الملأ، انه لا يستطيع حل قوات “الدعم السريع”، التي تستمد شرعيتها من قانون نافذ ومرسوم دستوري صادر قبل سقوط الشرعية السياسية في البلاد، وأُنشئت في سنة ٢٠١٧، وأجازه المجلس الوطني استنادًا إلى الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة ٢٠٠٥، ونُشر في الجريدة الرسمية، مما يمنحه قوة القانون الملزمة.
وقال “حميدتي” للبرهان بصريح العبارة: “لا نسمح لاي جهة سودانية أن تقوم بحل قوات الدعم السريع الا البرلمان، ولا نقبل باي قرارات من أحد أيا كان موقعة في السلطة.”
وسكت البرهان عن فكرة الدمج، والتخلي عن هيكلة جديدة للقوات المسلحة تكون فيها قوات الدعم جزء في المؤسسة العسكرية الرسمية.
وهناك ايضا حالة اللواء/ ابو عاقلة، الذي أحرج بشدة البرهان ورفض الاندماج في الجيش، ولسان حاله يقول: (اشمعني قواتي يشملها الحل والاندماج في الجيش، وقوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل، ولواء البراء بن مالك، وجماعة المستنفرين منظمات حرة طليقة بلا هيمنة القوات المسلحة عليها؟!!.)
من منا لا يعرف، ان الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق “سلام جوبا” رفضت بشدة قرارات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بإخضاع قواتها بالقوات المسلحة، مؤكدة تمسكها بترتيبات الاتفاق ورفضها لأي دمج قسري قبل استكمال بنود التسريح.
وأكدت الحركة، بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، أن قرار البرهان لا يشملها لا من قريب او بعيد، وشددت على أن أي خضوع لقوانين الجيش يجب أن يتم بعد تنفيذ بنود الدمج والتسريح المنصوص عليها في اتفاقية جوبا بلا تعديلات.
ومرة أخري سكت البرهان ولاذ بالصمت كالعادة، فهو لا يرغب في اثارة أي مشاكل مع منظمات وحركات عسكرية قد تعرقل بقائه في السلطة، وتحقيق حلم والده.
وليت الامر وقف عند هذا الحد، بل ان هناك بعض الحركات المسلحة اعلنت رفضها التام لقرارات سابقة اتخذها البرهان تتعلق بتعيين بعض رؤسائها كأعضاء في مجلس السيادة.
واعتبروا أن البرهان كان يرغب فى قراره الاحتيال عليهم، ووضع هذه الحركات المسلحة في يده بعد دخولها مجلس السيادة، والقيام بتبديل مواقفهم السياسية والعسكرية عبر اغراءات مادية وامتيازات كثيرة وسلطات واسعة.
هذه المنظمات المسلحة التي رفضت عرض البرهان، يعني انها منظمات لا تعترف بالبرهان كرئيس دولة، ولا بالمجلس السيادي الذي لا يحل ولا يربط، ولا وهو مجلس له جود في البلاد.
من غرائب تصرفات البرهان، انه وبعد ان آلت له السلطة في يوم الخميس ١١/ ابريل عام ٢٠١٩، قام بعدها بثلاثة أيام -وتحديدا في يوم الأحد ١٤/ ابريل-، بعمل مفاجأة محبطة اذهلت العالم، وقام باستفزاز شديد للشعب بتعيين “حميدتي” نائبا له في المجلس العسكري الانتقالي بصلاحيات سياسية وعسكرية وادارية كبيرة وواسعة، والتي هي صلاحيات ما كان يتوقعها “حميدتي” نفسه ولا في الاحلام.
وحتي اليوم ورغم مرور سبعة أعوام على وقوع هذا الحدث الذي خرب البلاد شر خراب، لا احد يعرف لماذا تصرف البرهان هذا التصرف الغبي المريب؟!!
وطوال مدة بقاء “حميدتي” فى المجلس العسكري، ما كان يحترم رئيسه ولا احترم تنفيذ قراراته.
واحدة من تصرفات البرهان الغريبة، انه في يوم السبت ٢/ ديسمبر ٢٠٢٣، أصدر قرارا باعتقال الهاربين من السجون.
وحوي القرار علي تشكيل لجنة برئاسة وزير الداخلية، للقبض على منسوبي النظام البائد الفارين من السجون، والضالعين في إشعال حرب الخامس عشر من أبريل، تنفيذاً لإجراءات بناء الثقة، الموقعة في السابع من نوفمبر ٢٠٢٣، بمدينة جدة السعودية.
وأن اللجنة تضم أعضاء من وحدات السجون، والشرطة الأمنية، والمباحث المركزية، وأنها حددت أماكن تواجد رموز نظام الإنقاذ في كل من بورتسودان وعطبرة وكسلا والقضارف، وبعض القرى والمدن بالولاية الشمالية.
جاء القرار واضح كوضوح الشمس، ومعنون بصورة مباشرة لشخص وزير الداخلية دون غيره من ضباط المؤسسة العسكرية للقيام بتشكيل اللجنة العسكرية التي منذ صدور القرار قبل (٨٦٦) يوما وحتي اليوم لم نسمع بتشكيلها، ولا قرأنا بالصحف أنها قد باشرت أعمالها وحققت نجاحات في إعتقال منسوبي النظام البائد الفارين من السجون، والضالعين في إشعال حرب الخامس عشر من أبريل!!
لقد قصدت من ذكر هذا القرار القديم الذي لم ينفذ، للتاكيد علي ان المسؤولين في السلطة، درجوا على تجاهل احترام القرارات والتوجيهات التي صدرت لهم من رئيس الدولة!!
ولكن بعد التدقيق في حال البرهان المزري وعدم تنفيذ قراره، يعني إنه هناك جهة ما أقوي من سلطته وسلطة مجلس السيادة والحكومة الهشة، وأن هذه الجهة الاسلامية القوية في البلاد، هي التي أوقفت التنفيذ.
هذه الجهة الاسلامية أسمها (الحركة الاسلامية) التي لا يهمها بقليل أو كثير من هو البرهان ولا مكانته العسكرية والسياسية، وأنها هي الجهة (الرسمية!!) التي تحدث بقوة علانية جهارا ونهارا القرار، واثبتت بالدليل القاطع، إن قرار القبض على السجناء السياسيين الفارين من السجون، هو قرار حبر على ورق، ولن ينزل الى حيز التنفيذ -شاء البرهان أم أبى-.
من منا لا يعرف، أن البرهان منذ عام ٢٠١٩ وحتي اليوم، يخشى بشدة تنفيذ وعده للشعب بتسليم عمر البشير وعبدالرحيم حسين وأحمد هارون لمحكمة الجنايات الدولية، ويخشى من عواقب الجبهة الاسلامية والفلول، ان قام بعملية التسليم.
ويرفض البرهان أيضا الالتزام بتنفيذ تعهده السابق للمدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، ومن بعدها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، إرسال المتهمين إلى محكمة لاهاي.
تشير تقارير الرأي العام والشارع السوداني إلى أن هناك استياءً واسعاً من تراجع تنفيذ توجيهات البرهان، حيث يعزو المراقبون ذلك إلى حالة من القصور الإداري، والبيروقراطية المتجذرة في المؤسسات التنفيذية، وتغليب المصالح الشخصية على حساب معاناة المواطن البسيط الذي يبحث عن أساسيات العيش.
تتمثل أبرز ملامح تجاهل أو تعثر هذه التوجيهات في النقاط التالية:
(أ)/- الوضع المعيشي والخدمي: توجيهات تحسين الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والأمن تصطدم ببطء شديد في التنفيذ على أرض الواقع، مما يزيد من معاناة المواطن في ظل ظروف الحرب المستمرة.
(ب)/- أزمة الفساد الإداري: يشير الكثير من الخبراء والمتابعين إلى أن الجهاز التنفيذي يعاني من ضعف في الرقابة والمحاسبة، مما يجعل القرارات والخطط حبراً على ورق دون ترجمة فعلية تخفف الأعباء.
(ج)/- تباين الخطاب والواقع: تصريحات القيادة العليا حول معالجة قضايا السلام وإدارة الدولة تقابل أحياناً بتباين في الرؤى بين الساسة والمسؤولين، مما يخلق فجوة تعيق تنفيذ المبادرات.
أما الشيء الغامض والذي لا نجد له تفسير، ان البرهان رغم علمه التام بوجود تجاهل متعمد في تنفيذ توجيهاته وقراراته من قبل كبار المسؤولين في السلطة، لم يطالب باجراء تحقيقات رسمية مع المقصرين في عدم تنفيذ الاجراءات، ولا سعي للاستفسار عن اسبابها.
قمة المهزلة تكمن في أن البرهان الضعيف الشخصية، لا يقوي علي حمايه قراراته وتوجيهاته التي لا تنفذ عن عمد وبتجاهل تام، ولا قام بتصحيح الحال المائل في سلطته، ولا سعي لوقف القتال.
ونجده – بلا خجل- يرغب بشدة البقاء بالسلطة بكل الطرق والسبل، حتى وان استمرت الحرب لمدة مائة عام كما قال في احدي المرات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.