الساڤنا .. الوطن غفور رحيمق

حاتم إلياس

في نهايات سنواتنا الدراسية بالمغرب، إبان فترة حكم جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، كانت في ذلك الوقت القضية الصحراوية ميدانيًا وسياسيًا ودوليًا في أوج فترات اشتعالها، ووجودها الدائم في المنصات الدولية، حيث استطاع البوليساريو، بالدعم الجزائري والإفريقي، ومن بينهم سودان الإنقاذ وفترة ديمقراطية الصادق المهدي، أن ينتزع تمثيلًا واعترافًا دوليًا لا يُستهان به.
كان ذلك أحد أسباب الانزعاج الدائم للمغرب المطالب بمغربية الصحراء، بل في الواقع استطاع ضم أجزاء كبيرة منها للتراب المغربي.
وكان للحسن الثاني والسياسة المغربية اتجاه سياسي تنموي ذكي، ركّز على تعمير مدن الصحراء: العيون، والداخلة، وطان طان، وأدمجها كليًا في بنية وحركة الاقتصاد المغربي الناهض، بل صارت أكثر جذبًا من المدن المغربية الأخرى، بالإضافة إلى استيعاب الصحراويين في الجهاز الحكومي والإداري المغربي.
في تلك الفترة، أطلق الحسن الثاني مبادرة يدعو فيها المنخرطين في الحرب ضمن جيش البوليساريو، وقادته والسياسيين، إلى العودة للمغرب والتوبة والعفو عنهم، وسمّى تلك المبادرة (الوطن غفور رحيم).
عاد بعض القادة المؤثرين في البوليساريو، وكنا نتابع وقتها القناة المغربية، مذيع النشرة يقول:
(في إطار مبادرة جلالة الملك أمير المؤمنين مولاي الحسن الثاني “الوطن غفور رحيم”، عاد اليوم إلى أرض الوطن فلان الفلاني).
وكان أصدقاؤنا من الصحراويين يتهكمون ويسخرون على بعض الشخصيات المجهولة سياسيًا والتي تدّعي العودة للمغرب، حيث كانت التركيبة القبلية للمكونات الصحراوية تمكّنهم من معرفة قيمة وتأثير الشخص، بجانب أن فكرة “الوطن غفور رحيم” نفسها، كمبادرة، كانت تعبّر عن حوافز مادية من خزينة الدولة، فوجدها البعض فرصة للتكسب بإعلان العودة.
عموماً، هؤلاء الأصدقاء أنفسهم تغيّر ولاؤهم للبوليساريو في ذلك المناخ الطلابي، وأصبح بعضهم الآن يشغل مناصب مهمة في الدولة المغربية.
عني أنا نفسي، كاتب هذا المقال، أنا صريح في دعمي للوحدة الترابية للمغرب.
وبأشغال الذاكرة نفسها، ويبدو أننا سنستوطن كثيرًا في الذاكرة، حيث إن اللاحق من السنوات ظهر بانه أقل في قيمة الانتباه المعنوي، وقد بددنا فيه ما لا يستحق، أذكر في بداية الألفينات اندلعت في الحركة الأدبية، التي كانت قد أفقرتها سنوات الإنقاذ ماديًا وسجاليًا، حوارات وسجالات ساخنة بين البروف محمد المهدي بشرى وأعضاء نادي القصة السوداني: بركة ساكن، محمد عوض، والراحل الصديق محمد خير وآخرين.
(وبركة ساكن بعدها استقال من نادي القصة احتجاجًا على ندوة تضامنية أقامها نادي القصة للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية، وكان تبريره أن نادي القصة تضامن مع شعب فلسطين البعيدة وترك مأساة دارفور).
على العموم، بركة روائي جيد يستثمر صيت اسمه بذكاء في السياسي، ويمضي فيه بلا هدى، سوى إعادة تبويب الضجيج في صفحات يظنها قابلة لإعلانها جهة السرد.
كان الصراع بين محمد المهدي بشرى وأولئك الشباب ساخنًا في الملاحق الأدبية، لكن الضربة القاضية كانت في مقال لبروف محمد المهدي بشرى في الرد عليهم أجمعين، بعنوانه: عنونه (بالعناكب الحزينة).
أثار عنوان البروف موجة من الضحك والاستغراب بينهم، لكن الحيرة الأكبر كانت في البحث عن دلالة العنوان وإحالته لمرجع يعينهم في عالم القراءات الأدبية.
وكنت ألاحظ أن عنوان البروف قد خلق ربكة نفسية، ما تجمعت وارتكزت وتكثفت كلها في: (الزول ده قاصد شنو؟).
إذ إن عنوان البروف، بشكل كامل، حرم الجميع من مرجعية ما يمكن أن تدل من يقرأه على مظان الذائقة والقراءة.
لاحقًا، التقيت ببروف محمد المهدي وسألته: عليك الله يا بروف، إنت قاصد شنو؟
فردّ بطريقته الزهجية:
“ما عناكب حزينة، يعني عناكب حزينة كده بس”.
لكن أكرمنا الله بعهد الشات جي بي تي، وأنا سألته:
“اسمع يا أخينا، إنت العناكب الحزينة معناها شنو؟”
فيرد أن “العنكب الحزين” قصة للأطفال كتبها كاتب قصص الأطفال الشهير المصري كامل الكيلاني، تحكي عن عنكب حزين يبحث عن الأصدقاء بين الحشرات، لكن كل الحشرات تخاف منه.
ثم أجابني أيضًا بأن “العناكب الحزينة” وردت في مونولوج داخلي لشخصية روائية في رواية مدام بوفاري لغوستاف فلوبير، وفي الحالتين كان المقصود العزلة والحزن للعنكبوت وهو ينسج شبكته وحيدًا.
ترى، هل عنى البروف (نسج الأوهام)؟ يبدو لي أن البروف أخفى بمكر أثر عنوانه.
وهنا، بين عودة (القبة) و(الساڤنا)، والحالة المتوهمة لكتاب الإنقاذ، وقبائل البلابسة من عشاق أغنية: (أنا والأشواق في بعدك بقينا أكثر من قرائب)، لا أدري: هل أقول “الوطن غفور رحيم”، أم أكتفي بعنوان محمد المهدي بشرى (العناكب الحزينة)؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.