كيف حوّلت الحركة الإسلامية السودانية غياب الدولة إلى غطاء لنهب الموارد؟
في الوقت الذي يُقاسي فيه المواطن السوداني غلاءً طاحناً وانهياراً شاملاً، من الخبز إلى الدواء إلى قيمة الجنيه في جيبه، تسير قوافل الشاحنات عبر الحدود الشمالية في صمت مريب. تدخل محملةً بالبضائع، وتخرج محملةً بما هو أثمن: بالمواد الخام، بالثروات المعدنية، بعصب الاقتصاد الوطني الذي يُفترض أن يكون رصيداً للأجيال القادمة.
لا رقيب يسأل. لا حسيب يتوقف. لا وثائق جمركية واضحة.
هذا المشهد ليس فوضى الحرب وحدها،إنه سياسة مُحكمة، جذورها أعمق بكثير من اندلاع القتال في أبريل 2023، وامتداداتها ترتبط بشبكة نفوذ بنتها الحركة الإسلامية السودانية على مدى أكثر من ثلاثة عقود داخل مفاصل الدولة.
الدولة العميقة — ثلاثون عاماً من التغلغل
لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى يونيو 1989، حين أطاح انقلاب عمر البشير بالحكومة المنتخبة، وفتح الأبواب أمام مشروع الحركة الإسلامية لإعادة هندسة الدولة السودانية من الداخل.
لم يكن مشروعاً أيديولوجياً فحسب. كان مشروعاً اقتصادياً بامتياز.
على مدى ثلاثة عقود متواصلة، عمدت الحركة الإسلامية إلى:
تطهير الأجهزة الحكومية من الكفاءات المستقلة واستبدالها بموالين أيديولوجيين، بصرف النظر عن مؤهلاتهم المهنية، وهو ما أفضى إلى تدهور تدريجي في كفاءة المؤسسات الاقتصادية والرقابية.
السيطرة على البنك المركزي والمنظومة المصرفية، وتحويلها من أدوات لإدارة الاقتصاد الوطني إلى صناديق لتمويل شبكات المصالح وضخ الأموال في شرايين التنظيم.
احتكار قطاع الاتصالات والبنية التحتية الرقمية، عبر منح امتيازات حصرية لشركات مرتبطة بالتنظيم، ما جعل الدولة رهينة لقرارات شبكة مصالح خاصة حين تحتاج إلى هذه البنية في إدارة الأزمات.
الهيمنة على قطاع التجارة الخارجية والاستيراد والتصدير، عبر منح التراخيص والحصص لشركات بعينها تدور في فلك التنظيم، وبناء احتكارات فعلية في السلع الاستراتيجية كالقمح والوقود والدواء
توظيف المال العام وعائدات النفط الذي بدأ تدفقه في مطلع الألفية الثالثة، ليس لبناء مؤسسات دولة مستدامة، بل لتمويل الأجهزة الأمنية الموازية وتوسيع شبكات الولاء السياسي.
النتيجة بعد ثلاثة عقود: دولة بمظهر دولة، لكنها في حقيقتها شبكة مصالح متشعبة تستخدم أجهزة الدولة أداةً للإثراء والهيمنة، لا للخدمة العامة.
الاقتصاد الموازي — حين تصبح الشبكات أقوى من المؤسسات
من أبرز الأدوات التي وظّفتها الحركة الإسلامية لتعزيز قبضتها الاقتصادية، بناء ما يمكن تسميته “الاقتصاد الموازي”، وهو منظومة من الشركات والمؤسسات المالية المرتبطة بالتنظيم، والتي تعمل بصورة رسمية وتستفيد من تسهيلات الدولة، غير أنها تخدم في نهاية المطاف مصالح التنظيم لا مصالح الخزينة العامة.
هذا الاقتصاد الموازي تمدّد في قطاعات استراتيجية عدة:
القطاع المصرفي الإسلامي: أُسِّست بنوك ومؤسسات مالية قدّمت نفسها باعتبارها تجربة اقتصادية إسلامية رائدة، غير أنها في جوهرها كانت أدوات لضخ التمويل في مشاريع التنظيم وتدوير الأموال بعيداً عن الرقابة التقليدية.
شركات الاستيراد والتصدير: احتكرت شركات بعينها استيراد سلع أساسية كالقمح والسكر والوقود، وكانت الامتيازات تُمنح وفق معيار الولاء لا وفق معيار الكفاءة، ما خلق بيئة من الفساد المؤسسي المنظّم أضرّت ضرراً بالغاً بالأمن الغذائي السوداني.
شركات التعدين والموارد: مع تنامي نشاط تعدين الذهب في السودان، تمركزت شبكات مرتبطة بالتنظيم في هذا القطاع، وهو ما يُضفي دلالة خاصة على التساؤلات الراهنة حول آليات تهريب الذهب السوداني عبر الحدود.
الحدود المفتوحة — الجريمة في زمن الحرب
حين اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وجدت شبكات المصالح هذه فرصة تاريخية نادرة. فمع انهيار منظومة الرقابة المدنية، وانشغال مؤسسات الدولة بأولويات الحرب، أصبحت الحدود الشمالية مساحة شبه مفتوحة لحركة تجارية تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السيادة الاقتصادية.
التقارير الميدانية تتحدث عن:
نزيف المواد الخام: حركة تصدير متواصلة للمواد الخام والثروات المعدنية، في مقابل استيراد السلع المصنّعة، وهي معادلة تكرّس التبعية الاقتصادية وتستنزف الرصيد الاستراتيجي للبلاد في وقت هي في أمسّ الحاجة إليه.
تآكل العملة الوطنية: توظيف الجنيه السوداني المتهالك في صفقات كبرى لشراء الموارد، إلى جانب تقارير عن تدفق عملات مزيفة عبر هذه المنافذ، في مشهد يُسهم مباشرة في تعميق انهيار القدرة الشرائية للمواطن السوداني.
غياب الأطر الجمركية الفعّالة: وهو غياب لا يُقرأ بوصفه عجزاً إدارياً في ظروف الحرب فحسب، بل يتسق تماماً مع نمط ممنهج لتسهيل حركة شبكات المصالح بعيداً عن أي رقابة مؤسسية.
ثمة سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: لماذا يتغاضى المتحكمون في مفاصل القرار عن هذا النزيف الاقتصادي؟
الإجابة تكشفها المعادلة السياسية الراهنة بوضوح.
سلطة الأمر الواقع في بورتسودان تخوض حرب بقاء بكل معنى الكلمة. وحرب البقاء هذه تحتاج إلى سلاح وذخائر ودعم لوجستي ودبلوماسي. وهذا الدعم، على اختلاف مصادره، ليس مجانياً. في ظل شحّ الموارد وتآكل الشرعية، يُصبح الاقتصاد الوطني هو المادة الخام الوحيدة المتاحة للمقايضة: موارد مقابل دعم، ثروات مقابل صمت، مستقبل اقتصادي مقابل استمرار في السلطة.
بعبارة أخرى: الاقتصاد السوداني يُحترق وقوداً في حرب لم يختَرها الشعب السوداني.
والحركة الإسلامية، بشبكاتها العميقة في مفاصل الدولة، ليست بعيدة عن هذه المعادلة، بل هي في قلبها. فالدولة العميقة التي بنتها على مدى ثلاثة عقود تجد في فوضى الحرب بيئة مثالية لاستمرار العمل بعيداً عن أي محاسبة.
بينما تدور عجلة هذه المعادلة، يدفع المواطن السوداني الفاتورة كاملة:
جنيه انهارت قيمته بصورة درامية خلال سنوات الحرب. سلع أساسية باتت بعيدة المنال عن شرائح واسعة من المجتمع. خدمات صحية وتعليمية انهارت. ونزيف هجرة يستنزف الكفاءات والطاقات الشابة التي تُمثّل رأس المال الحقيقي لأي نهضة مقبلة.
وفي المقابل، تستمر الشاحنات في عبور الحدود، وتستمر الصفقات في الإبرام، ويستمر الصمت.
ليست هذه السطور حكماً بقدر ما هي تشخيص. تشخيص لنمط ممتد عبر الزمن، تتشابك فيه خيوط الأيديولوجيا والمصلحة والسلطة، وتلتقي في لحظة الحرب الراهنة لتنتج واحدة من أشد معادلات الاستنزاف الاقتصادي التي عرفها السودان في تاريخه الحديث.
والسؤال الذي يجب أن يظل حاضراً، بصوت عالٍ وبلا توقف:
حين تنتهي هذه الحرب يوماً ما، ماذا سيتبقى لملايين السودانيين الذين دفعوا ثمنها مرتين؛ مرة بدمائهم، ومرة بمستقبلهم الاقتصادي الذي يُنهب على أبواب وطنهم في وضح النهار؟
هذا هو السؤال الذي لا يجوز أن يصمت، ولا أن يُجاب عليه إلا بمحاسبة حقيقية وشاملة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.