تقرير حقوقي استقصائي: “عدالة مجمّدة بنيران الحرب”.. كيف تحول قتلة شهداء الثورة من زنازين الإعدام إلى مقار القيادة؟
عين الحقيقة
بينما يعيش السودان تحت وطأة حرب مدمرة دخلت عامها الرابع، تكشفت واحدة من أخطر الانتكاسات التي مست ملف العدالة الانتقالية والجنائية في البلاد. ملفات وقضايا جنائية معقدة، قطع فيها القضاء السوداني شوطاً كبيراً وصدرت في بعضها أحكام باتة بالإعدام ضد منتهكي حقوق الإنسان وقتلة المتظاهرين السلميين، تبخرت فجأة من خلف قضبان السجون. التقرير التالي يرصد بالوقائع والأسماء ثلاث قضايا محورية (الخرطوم، كسلا، والنيل الأبيض) تحول فيها المتهمون والمدانون من “خلف قضبان الاتهام” إلى “منصات القيادة والتكريم”، مستغلين فوضى الحرب وإعادة التدوير الإداري والأمني تحت غطاء “المجهود الحربي”.
المدانين في قضية الشهيد أحمد الخير انخرطوا مجدداً وبشكل رسمي في صفوف جهاز الأمن والمخابرات وفي كتائب الإسناد العسكري بولايات شرق السودان (كسلا والقضارف)،
القضية الأولى: العقيد (م. ت) وبلاغ مقتل “الدينمو” (أم درمان)
في 24 مارس 2022، سقط الثائر محمد عبد اللطيف (الدينمو) في مواكب الخرطوم بحري. خاض محامو الطوارئ معركة قانونية شرسة أسفرت عن نزع الحصانة عن الضابط المسؤول (م. ت) وتقديمه للمحاكمة. استمعت المحكمة لاثنين من الشهود الإستراتيجيين، وظلت القضية حية حتى بعد اندلاع حرب أبريل 2023، إلى أن وصلت نيران المعارك إلى ولاية الجزيرة، مما أدى إلى انهيار المنظومة القضائية وتشتت أطراف القضية. المفارقة الحالية: بدلاً من التحفظ على المتهم، رصد ناشطون وحقوقيون عودة الضابط لمباشرة عمله برتبة أرفع (عميد) مديراً لقسم شرطة محلية كرري بأم درمان، بل وتم تقديمه في وسائل إعلامية محلية بوصفه “بطلاً قومياً من أبطال معركة الكرامة”، في محاولة لطمس صفته الجنائية كمتهم هارب من العدالة.
القضية الثانية: قتلة الأستاذ أحمد الخير (ولاية كسلا / خشم القربة)
تعتبر قضية الشهيد أحمد الخير أيقونة للعدالة في الثورة السودانية؛ حيث سطر القضاء السوداني حكماً تاريخياً بإعدام 29 من منسوبي جهاز الأمن الذين شاركوا في تعذيبه بمدينة خشم القربة. كان المدانون يقبعون في السجون الاتحادية بانتظار تنفيذ حكم الإعدام . المفارقة الحالية: مع اندلاع الحرب واقتحام السجون الرئيسية (مثل سجن كوبر والهدى)، فرّ هؤلاء المدانون المحكومون بالإعدام. وتشير المعلومات الميدانية المتطابقة إلى أن عدداً كبيراً من هؤلاء المدانين انخرطوا مجدداً وبشكل رسمي في صفوف جهاز الأمن والمخابرات وفي كتائب الإسناد العسكري بولايات شرق السودان (كسلا والقضارف)، وباتوا يمارسون مهاماً أمنية وقتالية مستفيدين من حالة السيولة الأمنية وحاجة جبهات القتال للعناصر المدربة.
في مدينة الجزيرة أبا (معقل طائفة الأنصار التاريخي)، ارتكبت القوات النظامية انتهاكات جسيمة أسفرت عن مقتل أطفال عزّل، من بينهم شوقي الصادق ومحمد عبد الرحمن. قادت أسر الضحايا بالتعاون مع لجان المقاومة والقانونيين معركة قضائية انتهت بإدانة الشرطي المتورط والحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت.
المفارقة الحالية: على غرار بقية القضايا، استغل الجاني حالة الفوضى العسكرية واقتحام سجون ولاية الجزيرة والنيل الأبيض ليخرج إلى الحرية. وتؤكد مصادر محلية أن الشرطي المدان بالإعدام يتجول الآن بحرية كاملة، بل ويمارس مهاماً أمنية وإدارية ضمن القوات التي أعيد استنفارها في مناطق سيطرة الجيش، دون أي اعتبار للحكم القضائي الصادر بحقه.
مصدر قانوني: ”الحرب قد تمنح هؤلاء القتلة حصانة مؤقتة أو بدلات عسكرية جديدة، لكنها قانونياً لا تلغي أحكام الإعدام ولا تسقط البلاغات المقيدة.
يرى مراقبون حقوقيون أن ما يحدث ليس مجرد “فرار عشوائي من السجون”، بل هو “ظاهرة ممنهجة لإعادة تدوير منتهكي حقوق الإنسان”، وتعتمد هذه الآلية على ثلاثة محاور: الغطاء الشرعي (المقاومة الشعبية والاستنفار): فتحت معارك الاستنفار الباب أمام كل أصحاب السوابق والهاربين من العدالة للالتحاق بجبهات القتال للحصول على “صك براءة سياسي وميداني”. المحسوبية والولاءات الإدارية: تعيين متهمين في مناصب حساسة (مثل إدارة شرطة كرري) يعكس تواطؤاً مؤسسياً يتجاوز العدالة لحساب العلاقات الاجتماعية والسياسية. تغييب السجلات: استغلال احتراق ومصادرة مقار المحاكم ودفاتر البلاغات لإعادة تقديم هؤلاء المجرمين للرأي العام بوصفهم “أبطالاً قوميين”.
في تصريح خاص للتقرير، علّق مصدر قانوني بارز من المجموعات الحقوقية المتابعة للملفات قائلاً: ”الحرب قد تمنح هؤلاء القتلة حصانة مؤقتة أو بدلات عسكرية جديدة، لكنها قانونياً لا تلغي أحكام الإعدام ولا تسقط البلاغات المقيدة. دفاتر ‘محامي الطوارئ’ والمنظمات الدولية تحتفظ بكل الأوراق والشهادات. إعادة تعيين متهم بالقتل مديراً للشرطة هو طعنة في خاصرة العدالة، وسيكون هؤلاء الأفراد أول المطلوبين أمام المحاكم وفاءً لدماء الشهداء فور استرداد الدولة لعافيتها القانونية.”
يبقى مشهد ركوب القتلة لقطار الحرب الحالي وصمة تؤرق مضاجع أسر الشهداء؛ غير أن وعي الشارع السوداني وتوثيق المجموعات الحقوقية المستمر يثبتان أن منصات التكريم الحالية ما هي إلا “مأوى مؤقت”، وأن مسار العدالة -وإن تعثر بنيران الحرب- سيبقى يلاحق الجناة.. وإن غابت عدالة الأرض، فإن “عند الله تجتمع الخصوم”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.