في الوقت الذي تجتمع فيه قوى مدنية السودانية في نيروبي لرسم خارطة طريق لمستقبل بلادهم، يتصدر ملف واحد جدولَ أعمالها بإلحاح لافت: رفض أي دور للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في أي ترتيب سياسي قادم،وهو موقف لا يصدر عن عداء أيديولوجي بقدر ما يرتكز، وفق المراقبين والوثائق المتاحة، على سجل موثق من التدخل في إشعال الحرب وإطالة أمدها.
لفهم الدور الإسلامي في الأزمة الراهنة، لا بد من العودة إلى نقطة البداية،في عام 1989، نفذت الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي، وعسكرياً بقيادة عمر البشير، انقلاباً عسكرياً ضد رئيس الحكومة المنتخب الصادق المهدي، لتبدأ بذلك تجربة حكم دامت ثلاثة عقود، أرست خلالها شبكات نفوذ عميقة داخل مؤسسات الدولة والجيش.
وحين أسقطت ثورة ديسمبر 2018 ذلك النظام، لم تُسقط معه تلك الشبكات. رسّخت الفصائل الإسلامية وجودها داخل أجهزة الحكم وفي الجيش خلال فترة حكم البشير التي استمرت ثلاثة عقود، وبدأت عودتها قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، في فترة أخذت تنحرف فيها عملية الانتقال نحو الحكم المدني عن مسارها المأمول.
بعد سقوط البشير، دخل السودان مرحلة انتقالية هشة. غير أن ما كان يجري خلف الكواليس كان أعمق مما يبدو. يرى كثيرون أن حزب المؤتمر الوطني الإسلامي هو العقبة الرئيسية أمام التفاوض من أجل وقف الحرب، إذ يسعى للعودة إلى السلطة مجدداً عبر تحالف مع الجيش.
وقد كشفت تقارير موثقة عن عمق تلك التدخلات. وثّقت تقارير وتصريحات إعلامية من مسؤولين سابقين سودانيين وأجانب دورَ الحركة الإسلامية في إشعال الحرب وتأجيج الصراع، في حين يؤكد قادة الجيش أنهم لا ينسقون مع أي حزب في حربهم الحالية.
ويرى سياسيون وعسكريون سابقون، وفق ما رصدته تقارير صحفية، أن الإسلاميين الذين فقدوا السلطة بسقوط نظام البشير شعروا بأن الحرب فرصة مواتية لإعادتهم إلى الحكم مجدداً بواجهة جديدة، بعد التخلص من قوات الدعم السريع.
في يونيو 2024، نشرت وكالة رويترز تقريراً مثيراً يرفع الغطاء عن حجم المشاركة الإسلامية الميدانية في الحرب. تحدث التقرير عن قتال الآلاف ممن عملوا في جهاز المخابرات العامة ولديهم صلات بالتيار الإسلامي، فضلاً عن آلاف الإسلاميين، إلى جانب الجيش، مما يعقّد جهود إنهاء إراقة الدماء.
وجاء ذلك بدعم وثائقي صريح؛ إذ تُظهر وثيقة لحزب المؤتمر الوطني حصلت عليها رويترز عبر مسؤول إسلامي كبير دوراً رئيسياً للشبكات الإسلامية منذ بداية القتال.
وعلى الرغم من أن رئيس الحزب المكلف أحمد هارون شكّك في صحة الوثيقة، فإنه أقر بأنه “ليس سراً أننا ندعم الجيش استجابة لدعوة القائد الأعلى للتعبئة العامة”.
لم يقتصر الدور الإسلامي على الميدان العسكري. لم يقتصر دور الحركة الإسلامية على إشعال الصراع، بل تحولت إلى مركز ضغط سياسي وإعلامي يمارس نفوذاً متزايداً على القرار داخل القوات المسلحة.
وتتجلى خطورة ذلك في الأرقام الإنسانية؛ فإن مقتل نحو 880 مدنياً خلال أربعة أشهر فقط عبر الطائرات المسيّرة، وفقاً لبيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أضرار جانبية، بل باعتباره نتيجة مباشرة لمسار سياسي وعسكري سعت إليه الحركة الإسلامية لاستعادة نفوذها المفقود، ولو على أنقاض الدولة نفسها.
شكّلت فترة الحرب التي بدأت في أبريل 2023 فرصةً للإسلاميين للسعي نحو مزيد من التوحد والالتفاف حول الجيش الوطني، وقد تطوع عدد كبير منهم للعمل مع الجيش في مواجهة ما وصفوه بـ”التمرد”.
وتكشف وثيقة داخلية لحزب المؤتمر الوطني حصلت عليها الجزيرة نت عن حجم هذا التطلع الاستعادي، إذ قدّم رئيس الحزب أحمد هارون تصوراً كاملاً لـ”اليوم الثاني” للحرب، كما يراه حزبه للأوضاع السياسية والاقتصادية، في ما يشبه خطة جاهزة للحكم ما إن تنتهي المعارك.
غير أن حزب المؤتمر الوطني يحاول إيجاد توافق حرج بين موقفه الداعم لاستمرار الحرب وما يستعيده من سلطة متخفية من وراء حكومة الأمر الواقع، وسيجد نفسه في مأزق أكثر حرجاً مهما قدّم من تنازلات.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو موقف القوى المدنية المجتمعة في نيروبي منطقياً ومبرراً. فالمطالبة ببناء جيش وطني مهني موحد ورفض عودة هيمنة الحركة الإسلامية ليسا شعاراً سياسياً، بل استخلاص من سجل موثق: تجربة الإخوان في السودان تستحق الدراسة من زاويتين، إحداهما في قدرتها على الانقلاب على السلطة في عام 1989، وثانيتهما في إشعال فتيل الحرب في عام 2023.
ومع استمرار الحرب في عامها الثالث، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل يمكن لأي تسوية أن تنجح دون معالجة جذرية لشبكات النفوذ التي نسجتها الحركة الإسلامية على مدى ثلاثة عقود داخل مؤسسات الدولة السودانية؟ القوى المجتمعة في نيروبي تقول بوضوح: لا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.