قصدت الحكومة إفشال الخماسية بهدف إضعاف خصومها المدنيين، فوجود صمود وتأسيس على الطاولة يعني أن هناك مسارًا دوليًا يعترف بهما كأطراف شرعية
طيف أول:
الثالث من يونيو يظل علامة دامية في الذاكرة الوطنية، ذكرى مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، حيث ارتوت الأرض بدماء الأبرياء الذين خرجوا حاملين حلم الحرية والعدالة. المجد والخلود للشهداء، والخزي والعار للكيزان والبرهان وجهاز أمنهم وجنجويدهم!!
وحدث ماهو متوقع إن مشاركة تحالف صمود في اجتماعات الآلية الخماسية لاتشكل أي إضافة، لأنها أُسست على شفا جرف هار. ويبدو أن حكومة بورتسودان نصبت فخًا لتجعل كلمتها فوق كلمة القوى المدنية بالرفض للخماسية، وهذا الدور كان يجب أن تلعبه صمود وترفض قبول هذه القوى المدنية التي تمثل الحكومة الكيزانية ويحركها النظام الذي ظل يتلاعب بالمجتمع الدولي في كل منابر الحوار. فما قامت به بالأمس هو محاولة متعمدة لإفشال مسار الخماسية، والسبب أن الآلية ضمّت قوى مثل صمود وتأسيس، وهما من أبرز الكيانات التي ترى الحكومة أنهما يمثلان البديل المدني الثوري الذي يهدد شرعيتها.
وبالأمس ذكرنا أنه لا توجد ما يسمى بالكتلة الديمقراطية، فالمجموعة فككتها الخلافات والمصالح منذ زمن طويل، وانتهى دورها السياسي قبل الحرب، وانتهت مهمتها السياسية، وما كانت تحتاج إلى سيناريو أديس أبابا حتى يصفق البعض لانقسامها.
ولم يقرأ صمود الدعوة جيدًا، أو أنه وقع في مصيدة الاستجابة للضغوط الخارجية، ولم يستفد من مراوغة البرهان وكذباته. ففي الوقت الذي وصل وفده إلى أديس أبابا وأعطى قيمة ووزنًا سياسيًا لفاقديه، باغتته القوى المدنية الداعمة للحرب والحكومة ورفضت المشاركة في اجتماعات الآلية. فهذه واحدة من سخريات القدر أن يرفض جبريل وترك وموسى هلال ما قبل به تحالف صمود وما طرحته الخماسية من رؤية.
وأعلنت عدد من الكيانات والأحزاب، بجانب شخصيات أخرى، اعتذارها عن المشاركة في اجتماعات أديس أبابا المزمع عقدها اليوم، وقالت إن الآلية مضت بصورة متفردة في تحديد مكان انعقادها ومراحلها الزمنية وأطرافها وأجندتها دون أي تفاهمات مسبقة مع الأطراف السودانية المعنية. وجاءت بوادر الاختلاف في مكوناتها، حيث أعلنت مجموعة مشاركتها وأخرى أعلنت مقاطعتها.
ومجموعة الميرغني أعلنت اعتذارها وبررت ذلك بغياب التعاون المسبق بين القوى السودانية حول ترتيبات الحوار، واعتبرت أن الآلية الخماسية مضت في تحديد مسار العملية السياسية بصورة منفردة تتعارض مع مبدأ الملكية الوطنية للحوار السوداني. واعترض كل من جعفر الميرغني والناظر ترك وجبريل إبراهيم وعضوان من مجلس السيادة “سبحان الله”!!
ففي الوقت الذي كانت تتحفظ فيه صمود على مشاركة شخصيات أخرى وقبلت بالقوى الرافضة لبورتسودان، جاء الرفض من طرف رئيس لم يكن صمود يضع مقاطعته في الحسبان!!
وقصدت الحكومة إفشال الخماسية بهدف إضعاف خصومها المدنيين، فوجود صمود وتأسيس على الطاولة يعني أن هناك مسارًا دوليًا يعترف بهما كأطراف شرعية، وهذا يفتح الباب أمام ترتيبات انتقالية لا تمر عبر الحكومة. ومع ذلك أرادت الحكومة الحفاظ على احتكار التمثيل، فهي تريد أن تُظهر أن أي حوار لا يمكن أن ينجح دونها، وبالتالي فإن مقاطعة حلفائها أو دفعهم للاعتذار يضعف صورة الخماسية ويجعلها تبدو وكأنها تفتقر إلى التمثيل السوداني الحقيقي.
وهي أيضًا أرادت إرسال رسالة للرباعية برفض المشاركة، فالحكومة وحلفاؤها بعثوا برسالة أن أي مسار يُفرض من الخارج سيفشل، وأن الحل يجب أن يُصنع في بورتسودان أو عبر القوى التي تدعمها. وهذه إعادة واضحة للأمور إلى ما كانت عليه!! وهو ما يترجم الفشل المبكر في أسوأ صوره.
وربما تكون الحكومة أيضًا قد سعت إلى عملية تكتيك تفاوضي، وأن إفشال الاجتماعات قد يكون وسيلة للضغط على الخماسية لإعادة النظر في مكوناتها وأجندتها، ومحاولة لاستبعاد أو تحجيم دور صمود وتأسيس. فالحكومة تُقدم نفسها كأنها قادرة على تعطيل أي مسار دولي لا يخدمها. لكنها في الوقت نفسه تكشف عن هشاشة تحالفها الداخلي، إذ إن بعض القوى الداعمة لها بدأت ترفض الانخراط في ترتيبات غير متفق عليها، وهذا قد يؤدي إلى أن ينظر المجتمع الدولي إلى بورتسودان باعتبارها طرفًا معرقلًا، وهو ما يضعف موقفها على المدى الطويل.
ويمكن أن يستفيد صمود من إفشال الحكومة لمسار الخماسية بعدة طرق، لأن تعطيل الاجتماعات يخلق فراغًا سياسيًا ويُظهر أن الحكومة تتصرف كمعرقل، بينما يظهر صمود كصوت مدني بديل يمكنه كسب تعاطف دولي. فربما يُنظر إلى صمود على أنه مستبعد عمدًا، وهذا يمنحه دعمًا إضافيًا من القوى الدولية التي تبحث عن شريك مدني غير معرقل. كما يمكن للتحالف أن يوظف هذا الموقف ليقول إن الحكومة لا تريد حوارًا شاملًا، بينما هو يدافع عن شمولية العملية السياسية. ولكن كل هذا ما كان يحتاجه صمود قبل مشاركته في هذه الاجتماعات التي ستولد ميتة!!
طيف أخير:
#لا_للحرب
تحتجب “أطياف” غدًا الخميس على أن تعاود السبت بإذن الله، وذلك بسبب ظروف طارئة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.