المعلم السوداني… ضحية الحرب واختلال الأولويات

تقرير: عين الحقيقة

بينما تواصل حكومة بورتسودان توجيه معظم مواردها نحو تمويل العمليات العسكرية في الحرب الدائرة بالبلاد، يواجه المعلم السوداني أوضاعاً معيشية ومهنية متدهورة تهدد مستقبل العملية التعليمية برمتها، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين أولويات السلطة واحتياجات القطاعات المدنية الحيوية.
ففي الوقت الذي تتزايد فيه مخصصات الحرب ومتطلباتها اللوجستية والعسكرية، يكافح عشرات الآلاف من المعلمين لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية، وسط رواتب فقدت معظم قيمتها الشرائية بفعل التضخم والانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد منذ اندلاع الحرب.
كل صباح، يغادر المعلم السوداني منزله متجهاً إلى المدرسة حاملاً رسالة التعليم في ظروف استثنائية. يدرّس في فصول تعاني نقصاً حاداً في الوسائل التعليمية، ويواجه تحديات النزوح والفقر وانقطاع الخدمات، فيما لا يكاد راتبه الشهري يغطي جزءاً يسيراً من احتياجات أسرته الأساسية.
ويرى تربويون أن الأزمة تجاوزت حدود ضعف المرتبات لتصبح تهديداً مباشراً لاستمرارية التعليم نفسه، بعد أن اضطر كثير من المعلمين إلى البحث عن أعمال إضافية أو مغادرة المهنة نهائياً بحثاً عن مصادر دخل أكثر استقراراً.
ورغم أن المعلم ظل أحد الأعمدة القليلة التي حافظت على استمرار التعليم خلال سنوات الحرب، فإن أوضاعه لم تشهد أي تحسن يُذكر. فبحسب مختصين، لا تعكس السياسات الحكومية الحالية إدراكاً كافياً لأهمية التعليم باعتباره استثماراً استراتيجياً في مستقبل البلاد، بل يبدو القطاع في ذيل قائمة الأولويات الرسمية.
ويؤكد خبراء أن ما يعيشه المعلمون اليوم يمثل نتيجة مباشرة لاختلال الأولويات الوطنية، حيث يتم تأجيل قضايا التعليم والتنمية البشرية إلى أجل غير معلوم، بينما تُمنح الحرب النصيب الأكبر من الموارد والاهتمام السياسي.
وخلال الأعوام الأخيرة، تصاعدت شكاوى المعلمين من تدني الأجور وتأخر المستحقات وضعف الحوافز، في وقت شهدت فيه أسعار السلع والخدمات ارتفاعات قياسية أدت إلى تآكل الدخول بصورة غير مسبوقة. وأصبح العديد من العاملين في قطاع التعليم يعيشون أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
ويقول مراقبون إن حكومة بورتسودان تنظر إلى الحرب باعتبارها المعركة الحاسمة التي ينبغي حشد الموارد كافة لإنجاحها، الأمر الذي انعكس على حجم الإنفاق الموجه للقطاعات المدنية، وعلى رأسها التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تتزايد الانتقادات التي ترى أن الإنفاق على السلاح والذخائر والعمليات العسكرية يتقدم على الاستثمار في الإنسان السوداني، فيما يعتبر آخرون أن بعض القوى السياسية المرتبطة بالحركة الإسلامية تضع أولويات الصراع السياسي والعسكري فوق القضايا المعيشية والتنموية الملحة.
لكن مختصين في الشأن التربوي يحذرون من أن إضعاف التعليم لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمات السودان مستقبلاً، مشيرين إلى أن إعادة بناء الدولة بعد الحرب لن تكون ممكنة من دون معلمين مؤهلين ونظام تعليمي قادر على إنتاج المعرفة وإعادة تأهيل الأجيال التي تأثرت بالنزاع.
ويؤكد هؤلاء أن المعلم ليس مجرد موظف يتقاضى راتباً مقابل أداء وظيفة، بل يمثل الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني للتنمية والاستقرار. فهو الذي يصنع رأس المال البشري ويغرس قيم المواطنة والمعرفة، ويؤهل الأجيال للمشاركة في بناء الدولة ومؤسساتها.
وفي المدارس التي ما تزال تفتح أبوابها رغم التحديات، يواصل المعلمون أداء رسالتهم وسط ظروف قاسية، تشمل اكتظاظ الفصول ونقص الكتاب المدرسي وضعف البنية التحتية وانعدام الوسائل التعليمية الحديثة، بينما يضطر كثيرون إلى تغطية بعض احتياجات العملية التعليمية من مواردهم الخاصة.
ورغم هذه التضحيات، تبقى مطالب المعلمين محدودة وواضحة: أجور عادلة، وبيئة عمل كريمة، وضمانات مهنية تحفظ مكانتهم ودورهم في المجتمع.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الأولويات الوطنية في السودان. فالدول لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل تبنى أيضاً بالمعرفة والتعليم والقدرة على الاستثمار في الإنسان.
ومع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، يظل مستقبل التعليم السوداني رهيناً بقدرة صناع القرار على إعادة ترتيب الأولويات، والاعتراف بأن المعلم ليس عبئاً على الموازنة العامة، بل هو الاستثمار الأكثر أهمية في مستقبل البلاد.
فإذا كانت الحروب تصنع واقع اليوم، فإن المعلمين هم من يصنعون مستقبل الغد، وأي دولة تتجاهل هذه الحقيقة تدفع ثمناً باهظاً لا يقاس بالأموال، وإنما بمصير أجيال كاملة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.