السودان بين الحرب والانسداد السياسي.. هل تعيق الخلافات طريق التوافق الوطني؟

تيسير المبارك

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا تعجز القوى السودانية عن الوصول إلى توافق وطني يوقف نزيف الدم ويضع البلاد على طريق الاستقرار؟ ورغم تعدد الإجابات وتباين الروايات، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن أزمة الثقة المتراكمة بين الأطراف السياسية، بما في ذلك الخلافات المرتبطة بدور الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين في المشهد السوداني، لا تزال تمثل واحدة من أبرز العقبات أمام أي مشروع وطني جامع.
فالسودان لا يعيش اليوم أزمة عسكرية فقط، بل يواجه أزمة سياسية عميقة تتعلق بكيفية إدارة التنوع السياسي والفكري، وبناء دولة تتسع للجميع دون إقصاء أو احتكار للسلطة. وخلال العقود الماضية، تراكمت خلافات حادة بين القوى السياسية المختلفة حول طبيعة الحكم ومستقبل الدولة ومؤسساتها، وهو ما انعكس بصورة واضحة على فرص التوافق الوطني.
ويرى منتقدو الحركة الإسلامية أن سنوات حكمها تركت آثاراً عميقة على المشهد السياسي، وأدت إلى استقطاب حاد بين مكونات المجتمع والقوى السياسية. ويعتقد هؤلاء أن معالجة الأزمة السودانية تتطلب مراجعات جادة لتجارب الماضي والاعتراف بالأخطاء التي أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات.
في المقابل، يرفض أنصار الحركة الإسلامية تحميلها وحدها مسؤولية الأزمة الراهنة، ويؤكدون أن السودان شهد تعقيدات وصراعات متعددة شاركت فيها أطراف سياسية وعسكرية عديدة، وأن أي محاولة لبناء مستقبل مستقر يجب أن تقوم على رؤية شاملة لا تستثني أحداً من الحوار الوطني.
وبغض النظر عن المواقف المتباينة، فإن الواقع يؤكد أن استمرار حالة الاستقطاب الحاد لن يقود إلى حلول مستدامة. فالتجارب السودانية المتعاقبة أظهرت أن إقصاء أي مكون سياسي كبير لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، كما أن السعي للهيمنة أو الانفراد بالقرار يفتح الباب أمام أزمات جديدة.
لقد دفعت الحرب السودانيين إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية حول شكل الدولة التي يريدونها، وحول طبيعة العلاقة بين القوى السياسية المختلفة. ويبدو أن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب شجاعة سياسية من جميع الأطراف، واستعداداً لتقديم تنازلات متبادلة من أجل المصلحة الوطنية.
إن التوافق الوطني الحقيقي لا يعني الاتفاق الكامل بين الجميع، بل يعني القدرة على إدارة الخلافات ضمن إطار سلمي وديمقراطي يحترم التعددية ويحتكم إلى المؤسسات والقانون. وهذا ما يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
فالمواطن السوداني الذي أنهكته الحرب والنزوح وغلاء المعيشة لا ينتظر انتصار طرف على آخر بقدر ما ينتظر نهاية للصراع وبداية لمرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء. ولن يتحقق ذلك إلا عندما تقتنع جميع القوى السياسية بأن مستقبل السودان أكبر من أي حزب أو جماعة أو تيار.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة، وأن السلام لا يصنعه المنتصرون وحدهم، بل تصنعه إرادة وطنية مشتركة تعترف بالتنوع وتضع مصلحة البلاد فوق الحسابات السياسية الضيقة. والسودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذه الإرادة إذا أراد الخروج من أزمته الطويلة نحو مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.