بين دعوات العودة وواقع الخدمات.. من يتحمل مسؤولية معاناة سكان الخرطوم؟

نورا عثمان

منذ أشهر، تتواصل الدعوات الرسمية التي تشجع السودانيين على العودة إلى الخرطوم ومناطق أخرى تضررت من الحرب، مع حديث متكرر عن تحسن الأوضاع الأمنية وعودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها. لكن كثيراً من الأسر التي استجابت لهذه النداءات وجدت نفسها أمام واقع مختلف تماماً، حيث لا تزال الخدمات الأساسية تعاني من أزمات حادة تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة مما كان متوقعاً.

فالخرطوم التي يعود إليها المواطنون اليوم ليست المدينة التي غادروها قبل سنوات. فالبنية التحتية تعرضت لأضرار واسعة، وشبكات الكهرباء والمياه لا تزال تعاني من أعطال متكررة، بينما تواجه المرافق الصحية والتعليمية تحديات كبيرة في استعادة نشاطها الطبيعي. وبين التصريحات الرسمية والواقع الذي يواجهه السكان على الأرض، تتسع فجوة تثير الكثير من الأسئلة.

كثير من العائدين كانوا يأملون في استئناف حياتهم بصورة طبيعية، لكنهم فوجئوا بانقطاعات طويلة للكهرباء، وضعف إمدادات المياه، وصعوبات الحصول على الخدمات الصحية، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية القاسية وارتفاع تكاليف المعيشة. بعض الأسر اضطرت إلى إنفاق ما تبقى لديها من مدخرات للعودة، قبل أن تكتشف أن البيئة الخدمية ما زالت غير مهيأة لاستقبال أعداد كبيرة من السكان.

ولا يقتصر الأمر على الخرطوم وحدها، فحتى المدن التي أصبحت مراكز إدارية خلال الحرب تواجه ضغوطاً كبيرة على الخدمات العامة. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جاهزية مؤسسات الدولة لإدارة مرحلة العودة وإعادة الإعمار، وحول المعايير التي يجب أن تتوافر قبل تشجيع المواطنين على العودة إلى مناطقهم.

إن المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى العودة بحد ذاتها، فعودة المواطنين إلى مدنهم وأحيائهم هدف مشروع وضروري لأي عملية تعافٍ وطني. لكن المشكلة تظهر عندما تسبق الرسائل الإعلامية والخطابات السياسية الواقع الخدمي الفعلي على الأرض. فالمواطن لا يحتاج إلى الوعود بقدر حاجته إلى ماء يصل إلى منزله، وكهرباء مستقرة، ومركز صحي يعمل، ومدرسة تستقبل أبناءه.

ومن حق السودانيين أن يحصلوا على معلومات دقيقة وشفافة حول أوضاع مناطقهم قبل اتخاذ قرار العودة. فالتقليل من حجم التحديات أو تقديم صورة متفائلة لا تعكس الواقع قد يؤدي إلى إحباط جديد لدى الأسر التي تحملت بالفعل سنوات من النزوح والمعاناة.

لقد دفعت الحرب السودانيين أثماناً باهظة من أمنهم واستقرارهم ومصادر رزقهم. ولذلك فإن إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تبدأ بالصدق في عرض الحقائق، والاعتراف بحجم المشكلات، ووضع خطط واقعية لمعالجتها. أما المبالغة في تصوير جاهزية الخدمات بينما لا يزال المواطن يواجه أزمات يومية في الكهرباء والمياه والصحة، فلن تسهم إلا في تعميق فجوة الثقة.

إن نجاح أي مشروع لعودة السكان لا يقاس بعدد البيانات الصادرة أو المؤتمرات المنعقدة، بل بقدرة المواطنين على العيش بكرامة بعد عودتهم. فحين يجد العائدون خدمات أساسية مستقرة وفرصاً لإعادة بناء حياتهم، ستكون العودة خياراً طبيعياً لا يحتاج إلى حملات دعائية. أما إذا ظلت الخدمات غائبة والمعاناة مستمرة، فإن المشكلة لن تكون في تردد المواطنين، بل في غياب المقومات التي تجعل العودة ممكنة ومستدامة.

وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي أمام السلطات هو الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز. فالسودانيون لا يبحثون عن خطابات مطمئنة فحسب، بل عن واقع ملموس يشعرهم بأن رحلة العودة إلى الوطن ليست عودة إلى معاناة جديدة، وإنما بداية لاستعادة الحياة التي فقدوها بسبب الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.