أين تذهبون من العدالة؟

حسن عبد الرضي

من أغرب ما يمكن أن يواجهه المرء في السودان اليوم، ليس الحرب وحدها، ولا الخراب الذي تمدد من أطراف البلاد إلى قلبها، ولا أنهار الدم التي سالت فوق تراب الوطن، وإنما ذلك الفراغ المخيف الذي أصاب الوعي الجمعي تجاه فكرة العدالة نفسها.
كيف لشعب عريق، ظل عبر تاريخه الطويل يردد أن “الظلم ظلمات”، أن يستيقظ كل صباح على مشاهد القتل والتشريد والنهب والاعتقال والتعذيب، ثم لا يجد أمامه نافذة واحدة يطل منها على أمل العدالة؟
لا عدالة المحاكم التي صارت في نظر كثيرين مجرد أداة في يد السلطة، تُستخدم حيث تشاء وتُعطل حيث تشاء. ولا عدالة دولية يبدو أن قادة الحرب يتحدونها جهارًا نهارًا، وكأنها مجرد حبر على ورق. ولا عدالة انتقالية، لأن أكثر من يخشونها هم أنفسهم الذين يمتلكون السلاح والسلطة والنفوذ والقدرة على تعطيلها.
والأدهى من ذلك أن دائرة الخوف من العدالة لا تقتصر على طرف واحد. فكل دعاة الحرب، على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يخشون أن تُفتح دفاتر الحساب يومًا ما.
من قادة العسكر، إلى المليشيات، إلى المستنفرين، إلى الجماعات المسلحة، إلى كل من ارتكب انتهاكًا بحق المدنيين، أو حرّض عليه، أو برره، أو صمت عنه حين كان قادرًا على إدانته.
كلهم يعرفون، في قرارة أنفسهم، أن العدالة الانتقالية الحقيقية لا تفرّق بين صاحب الزي العسكري وصاحب العمامة السياسية وصاحب البندقية المأجورة. ولذلك يخشاها الجميع.
لكن الأكثر إثارة للحيرة هو ذلك اليقين الزائف الذي يملأ نفوس بعض المتطرفين ودعاة الحرب. فهم لا يكتفون بتبرير أفعالهم، بل يرفعونها إلى مقام المقدس، ويمنحون أنفسهم صكوك البراءة المسبقة، ثم يتحدثون وكأن الله قد فوّضهم وحدهم، وكأن السماء أصبحت طرفًا في صراعهم السياسي والعسكري.
يقتلون ثم يزعمون أنهم يدافعون عن الدين. ويسكتون عن الظلم ثم يرفعون شعارات الفضيلة. يحرضون على استمرار الحرب ثم يتحدثون باسم الله. ويهاجمون كل من يدعو إلى السلام، وكأن السلام جريمة، وكأن إيقاف نزيف الدم خيانة.
إن أخطر أنواع الضلال ليس أن يخطئ الإنسان، وإنما أن يعتقد أن الحق شريك في خطئه. وأخطر أنواع الطغيان ليس أن يظلم الظالم، وإنما أن يظن أن السماء وقّعت له على رخصة دائمة للظلم.
لكن التاريخ الإنساني كله يقول شيئًا واحدًا: لم ينجُ ظالم من العدالة إلى الأبد.
فقد تتعطل المحاكم. وقد تُشترى الذمم. وقد تتأخر لجان التحقيق. وقد يفلت المجرمون سنوات طويلة من الحساب.
لكن هناك عدالة لا تسقط بالتقادم، ولا تتأثر بالسلطة، ولا تخضع للرشوة، ولا تخاف من البنادق. إنها العدالة التي يهرب منها الجميع، لكنها لا تهرب من أحد.
العدالة التي تلاحق الإنسان في ضميره أولًا، ثم في مصيره ثانيًا. العدالة التي لا تحتاج إلى شهود مزورين، لأن الوقائع نفسها شاهدة. ولا تحتاج إلى أجهزة أمن، لأن الحقيقة لا تنام. ولا تحتاج إلى جيوش، لأن الزمن نفسه يعمل في صفها.
لقد ظن طغاة كثيرون عبر التاريخ أنهم انتصروا، ثم اكتشفوا متأخرين أن ما كانوا يؤجلونه لم يكن الهزيمة، بل الحساب.

ولذلك فإن مأساة السودان ليست فقط في الذين يشعلون الحرب، بل في الذين أقنعوا أنفسهم أن العدالة لن تأتي.
ستأتي العدالة. قد لا تأتي بالسرعة التي يريدها المظلومون. وقد لا تأتي بالشكل الذي يتوقعه الناس. لكنها تأتي دائمًا.

وإذا كان بعض أهل السلطة والسلاح والإعلام والدعاية يظنون أنهم يستطيعون الفرار من عدالة الأرض، فإن السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه يبقى قائمًا: إلى أين يهرب الإنسان من عدالة السماء؟
فإذا كانت أبواب المحاكم تُغلق، فإن أبواب الحساب لا تُغلق. وإذا كانت الملفات تُخفى، فإن الحقائق لا تُمحى. وإذا كانت الجرائم تُدفن، فإن العدالة تعرف طريقها إلى القبور كما تعرف طريقها إلى القصور.
وحينها لن ينفع الظالمين يقينهم الزائف بأن الله كان معهم، لأن الله لا يكون مع الظلم، ولا مع القتل، ولا مع الاستبداد، ولا مع الذين يقتاتون على دماء الشعوب.
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.