التعليم في السودان بين تفكك الدولة الريعية الأمنية وصعود الفعل التأسيسي
بقلم: أحمد كدك - المحامي
لم يعد ممكناً التعامل مع التعليم في السودان بوصفه قطاعاً خدمياً معزولاً عن بنية الدولة، أو متغيراً فنياً يمكن إصلاحه بإجراءات إدارية. فالتجربة التاريخية تكشف أن التعليم كان أحد أهم أدوات إعادة إنتاج الدولة وإعادة توزيع السلطة والمعرفة داخلها، ضمن نموذج دولة ما بعد الاستعمار التي تشكلت على قاعدة المركزية المفرطة (Hyper-centralization) واحتكار المعرفة (Knowledge Monopoly)، حيث يحتكر المركز أدوات الشرعية وإنتاج الوعي عبر مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها التعليم.
في المقابل، جرى دفع مجالات واسعة من السودان (الهامش)، وهو التوصيف الذي ظل مستخدماً في الخطابات الاستبدادية بوصفه فضاءً جغرافياً وجهوياً يُصنف ضمن منطق التخلف البنيوي (Structural Underdevelopment) المنسوب إلى قدرات السكان لا إلى اختلال توزيع السلطة والثروة (Unequal Power Distribution)، إلى موقع محدود في إنتاج المعرفة والفرص، ليُعاد تعريفه كمجال تابع لا كفاعل في إطار الدولة غير المتكافئة (Asymmetrical State Formation).
هذا النموذج لم يكن مجرد اختلال تنموي، وإنما بنية حكم متكاملة تقوم على منطق الدولة الريعية الأمنية (Rentier Security State)، حيث يُستخدم التعليم كأداة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي والسياسي، وربط الوصول إلى المعرفة بجغرافيا السلطة لا بجغرافيا الحاجة، ضمن نظام يعيد إنتاج نفسه عبر الهندسة الاجتماعية للتهميش (Social Engineering of Marginalization).
في هذا الإطار، لم تُبنَ الدولة كمجال مواطنة، وإنما كجهاز مركزي لإدارة الموارد والسلطة، يقوم على الاستحواذ المؤسسي (Institutional Capture) وإعادة إنتاج الامتياز (Reproduction of Privilege)، ما جعل التعليم جزءاً من منظومة ضبط اجتماعي لا منطق عدالة معرفية.
مع اندلاع الحرب في 15 أبريل، دخلت الدولة السودانية مرحلة تفكك الدولة (State Fragmentation) وتآكل السيادة الوظيفية (Functional Sovereignty Erosion)، حيث انهارت مؤسسات مركزية، وعلى رأسها قطاع التعليم. وفي مناطق خارج سيطرة بورتسودان، تعرضت البنية التعليمية لدمار واسع، وتوقف العمل في مدارس وجامعات، مع انهيار منظومة الأجور وحقوق المعلمين، بما يعكس تفكك العقد الاجتماعي (Social Contract Breakdown) بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، يمكن قراءة “حكومة بورتسودان” كامتداد رمزي لنموذج الدولة المركزية السلطوية (Authoritarian Centralized State)، التي تتعامل مع المؤسسات بوصفها أدوات احتكار سياسي (Political Monopoly) وإدارة بالإكراه غير المباشر (Indirect Coercive Governance)، بما في ذلك توظيف التعليم كأداة ضبط اجتماعي في مواجهة المجتمعات الخارجة عن المركز.
ورغم ذلك، لم تتوقف وظيفة التعليم بالكامل، إذ أعادت المجتمعات إنتاجها جزئياً عبر مبادرات محلية وكيانات جديدة، في إطار ما يمكن توصيفه بـ الحوكمة ما دون الدولة (Sub-State Governance) وتعدد مراكز السيادة (Fragmented Sovereignty). وفي مناطق تُنسب إلى “حكومة السلام – تأسيس”، استمرت العملية التعليمية، بما في ذلك تنظيم الامتحانات، في ظروف بالغة التعقيد، بما يعكس انتقال جزء من وظائف الدولة إلى فضاءات اجتماعية جديدة فرضها الواقع.
إن استمرار وانطلاق امتحانات الشهادة السودانية في هذه السياقات لا يُقرأ كحدث إداري فقط، وإنما كمؤشر على إعادة توزيع رأس المال المؤسسي (Institutional Capital Redistribution)، وإعادة تعريف من يمتلك القدرة على إنتاج الاستمرارية المؤسسية في ظل انهيار الدولة المركزية (Central State Collapse).
ويمتد هذا التحول إلى ما هو أبعد من التعليم، ليشمل إعادة النظر في طبيعة مؤسسات الدولة ذاتها، بما في ذلك الجيش والشرطة والأمن، التي تشكلت تاريخياً ضمن منطق احتكار العنف المشروع (Monopoly of Legitimate Violence – Weber)، وأصبحت اليوم جزءاً من نقاش أوسع حول إعادة تعريف وظيفتها ضمن مشروع إعادة التأسيس السياسي (Reconstitutive Political Order).
في هذا الإطار، يقدم “تحالف السودان التأسيسي” تصوراً يقوم على إعادة بناء الدولة من جذورها عبر منطق تفكيك المركزية التاريخية (Deconstructing Historical Centralism)، والاعتراف وتبني حقوق السودانيين الذين تعرضوا للاضطهاد البنيوي ضمن منظومة الإقصاء التاريخي، بما يستوجب معالجتها جذرياً ضمن مسار إعادة تأسيس الدولة لا إعادة إنتاجها. ويشمل ذلك تفكيك بنية الإقصاء البنيوي (Structural Exclusion)، وإعادة توزيع السلطة والمعرفة على أسس جديدة تتجاوز نموذج الدولة الريعية الأمنية، مع وضع التعليم في قلب عملية إعادة إنتاج الدولة، لا بوصفه خدمة، وإنما بوصفه مدخلاً لإعادة تعريف الشرعية السياسية ذاتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.