دفعت الانقطاعات المستمرة للتيار الكهربائي في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش المواطنين إلى خيارات مكلفة ويائسة. فاتجه من يملكون القدرة المالية إلى شراء أنظمة الطاقة الشمسية رغم ارتفاع تكلفتها، فيما انتعش نشاط التجار العاملين في مجال تركيب الألواح الشمسية والبطاريات.
ورغم إعلان سلطات ما يُعرف بـ«حكومة الأمل» إعفاء منظومات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية، فإن التكلفة النهائية ما تزال مرتفعة بصورة تجعلها خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين، وفق إفادات متطابقة.
وبذلك تحولت أزمة الكهرباء من مشكلة خدمية إلى عبء اقتصادي مضاعف، يعمّق الفجوة بين القادرين على توفير بدائل للطاقة والعاجزين عن ذلك.
ومن أم درمان، تصف المواطنة عبير عبدالله حماد الوضع بأنه «لا يُطاق»، مشيرة إلى أن الانقطاع المستمر للكهرباء وارتفاع درجات الحرارة وانتشار الأمراض جعل الحياة اليومية شديدة القسوة. وتلخص معاناة السكان بقولها: «الكهرباء هي الحياة، وبدونها تصبح الحياة لا تُطاق».
أما إلهام الشريف، التي عادت من مصر الشهر الماضي، فتروي خيبة أملها قائلة: «ما عكسه الإعلام وشجعنا على العودة وجدناه كذباً وتضليلاً. لا خدمات ولا أمن، والوضع يتدهور يوماً بعد يوم».
وتكشف أنها بدأت تفكر جدياً في العودة إلى مصر مجدداً بسبب المعاناة اليومية الناتجة عن انقطاع الكهرباء، والتي جعلت ممارسة أبسط تفاصيل الحياة أمراً بالغ الصعوبة.
وتأتي أزمة الكهرباء في عامها الرابع منذ اندلاع الحرب، وسط واقع إنساني واقتصادي بالغ القسوة. فقد ألقت الأزمة الاقتصادية الخانقة بظلالها على مختلف جوانب الحياة، مع الارتفاع الجنوني للأسعار، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية، والركود غير المسبوق في حركة البيع والشراء.
ويصف مواطنون أداء السلطات بأنه «عاجز ومشلول» عن تقديم أي معالجات حقيقية، بينما يجد المواطن نفسه حائراً بين متطلبات الحياة الأساسية وتداعيات الحرب المستمرة التي لا تهدأ.
وتحولت أولويات كثير من الأسر من تحسين مستوى المعيشة إلى البحث عن أبسط مقومات البقاء، مثل الغذاء والدواء ومياه الشرب النظيفة والكهرباء، التي باتت غائبة عن حياة الكثيرين بسبب ما يصفه المواطنون بعجز السلطات عن توفيرها.
ويبدو النازحون واللاجئون الأكثر تضرراً من هذه الأوضاع. ففي مراكز الإيواء والخيام المكتظة، ومع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، تتفاقم أزمات الغذاء والمياه والرعاية الصحية، فيما تتزايد مخاطر انتشار الأمراض الوبائية، مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، في المناطق المتأثرة بالحرب.
ولم يعد الغضب الشعبي صامتاً. فقد شهدت منطقة «العفاض» بمحلية الدبة في الولاية الشمالية احتجاجات واسعة بسبب تفاقم أزمة الكهرباء وطول ساعات الانقطاع. وخرج مئات المواطنين إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم من التدهور الحاد في الخدمة، لا سيما في ظل الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة.
ويضم مخيم العفاض وحده ما بين 25 و30 ألف نازح فروا من إقليمي دارفور وكردفان، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على البنية التحتية الهشة أصلاً، وأثار حالة من التوتر والاستياء وسط السكان المحليين. وبحسب شهود عيان، تعاملت الجهات الأمنية مع المحتجين بإطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريقهم.
ولا تقتصر أزمة الخدمات على منطقة بعينها، إذ تعاني معظم الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش من تراجع كبير في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء. ووجّه مواطنون انتقادات حادة لما يُعرف بـ«حكومة الأمل»، مطالبين بوقف الحرب باعتبارها المدخل الأساسي لاستعادة الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية.
وفي ظل هذا الواقع القاسي، يجمع كثير من المواطنين على أن حكومة الأمر الواقع أخفقت في توفير أبسط متطلبات الحياة، مرددين عبارة تختزل حجم الإحباط السائد: «لا كهرباء، لا تنمية، ولا إنتاج» في ظل استمرار الحرب وتداعياتها المتفاقمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.