هل يقبل الإخوان المسلمون في السودان بحلول عملية مقابل التخلي عن السلطة؟

تقرير: عين الحقيقة

مع استمرار الحرب في السودان وتعثر جهود التسوية السياسية، يبرز سؤال محوري في الأوساط السياسية والإعلامية: هل يمكن أن تقبل الحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين في السودان بتسوية سياسية تضمن إنهاء الصراع مقابل الابتعاد عن السلطة المباشرة؟ يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة بين القوى السياسية المختلفة بشأن دور الإسلاميين في المشهد الحالي، ومستقبل نفوذهم في أي ترتيبات سياسية قادمة.
إرث طويل من السلطة
ظلت الحركة الإسلامية السودانية لاعباً رئيسياً في الحياة السياسية منذ وصولها إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989، واستمرت في الحكم لثلاثة عقود قبل سقوط نظام الرئيس عمر البشير في أبريل 2019. ورغم إبعادها رسمياً عن السلطة بعد الثورة، يرى مراقبون أن التيار الإسلامي احتفظ بشبكات سياسية واجتماعية وتنظيمية مكّنته من البقاء حاضراً في المشهد العام، سواء بصورة مباشرة أو عبر تحالفات وشخصيات محسوبة عليه.
ويعتقد محللون أن هذا الإرث الطويل يجعل مسألة التخلي الكامل عن النفوذ السياسي قضية معقدة بالنسبة للتيار الإسلامي، الذي يرى نفسه جزءاً من المعادلة السياسية السودانية لا يمكن تجاوزه.
بين الواقعية السياسية والتمسك بالنفوذ

يرى بعض المراقبين أن جزءاً من التيار الإسلامي قد يكون مستعداً للقبول بتسويات سياسية تضمن له المشاركة السياسية المشروعة داخل أي نظام ديمقراطي مستقبلي، بدلاً من السعي للهيمنة على مؤسسات الدولة كما كان الحال في السابق.

ويستند هذا الرأي إلى تجارب حركات إسلامية في دول أخرى انتقلت من موقع السلطة المطلقة إلى العمل السياسي التنافسي ضمن قواعد ديمقراطية. في المقابل، يرى منتقدو الحركة الإسلامية أن بعض مراكز النفوذ داخلها لا تزال تنظر إلى السلطة باعتبارها الضمانة الأساسية لحماية مصالحها السياسية والتنظيمية، الأمر الذي قد يجعلها أكثر تحفظاً تجاه أي تسوية تؤدي إلى تقليص نفوذها بصورة كبيرة.
ما الذي يمكن أن يشجع على التسوية؟
يعتقد خبراء في الشأن السوداني أن قبول أي طرف سياسي بالتنازل عن السلطة أو النفوذ يرتبط بجملة من العوامل، من بينها: ضمان المشاركة السياسية السلمية في المستقبل. وجود عملية سياسية شاملة لا تستهدف الإقصاء الكامل لأي تيار. توفير ضمانات قانونية ومؤسسية تحكم المنافسة السياسية. التوافق على مشروع وطني يعالج جذور الأزمة السودانية.
ويرى هؤلاء أن أي تسوية قابلة للاستمرار تحتاج إلى معالجة المخاوف المتبادلة بين القوى السياسية المختلفة، بما فيها الإسلاميون والقوى المدنية والحركات المسلحة.
عقبات أمام أي اتفاق
في المقابل، تواجه فكرة التسوية تحديات كبيرة، أبرزها حالة انعدام الثقة بين الأطراف السياسية السودانية. فالكثير من القوى المدنية تتهم الحركة الإسلامية بالمسؤولية عن أزمات سياسية واقتصادية وأمنية تراكمت خلال سنوات حكمها، وتطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي وقعت خلال تلك الفترة. أما الإسلاميون وأنصارهم، فيرون أن أي عملية سياسية يجب ألا تتحول إلى أداة للإقصاء السياسي أو العقاب الجماعي، وأن من حقهم المشاركة في الحياة العامة وفقاً للقانون والدستور.
المجتمع الدولي وحسابات الاستقرار
يرى مراقبون أن المجتمعين الإقليمي والدولي يركزان بشكل متزايد على إنهاء الحرب وإعادة الاستقرار إلى السودان، أكثر من تركيزهما على هوية الأطراف المشاركة في السلطة.
ومن هذا المنطلق، قد تدفع الضغوط الدولية والإقليمية نحو حلول تقوم على التسوية السياسية وتقاسم المسؤوليات بدلاً من منطق الغلبة والإقصاء. لكن نجاح أي تسوية سيظل مرهوناً بمدى استعداد جميع الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة ووضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
مستقبل السؤال

لا توجد حتى الآن إجابة قاطعة حول ما إذا كانت الحركة الإسلامية في السودان مستعدة للتخلي عن النفوذ السياسي مقابل تسوية شاملة تنهي الحرب وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة.

لكن ما يبدو واضحاً للكثير من المراقبين هو أن استمرار الصراع يفرض كلفة باهظة على جميع الأطراف، وأن مستقبل السودان قد يتوقف على قدرة القوى السياسية والعسكرية، بما فيها التيار الإسلامي، على الانتقال من معادلة الصراع على السلطة إلى معادلة التنافس السياسي السلمي داخل إطار وطني جامع.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان طرف بعينه سيقبل بالتنازل، بل ما إذا كانت جميع القوى السودانية مستعدة لإعطاء الأولوية للسلام والاستقرار على حساب حسابات السلطة والنفوذ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.