معلمو السودان بين مطرقة الإهمال وسندان التهديد بالسلاح

تقرير: عين الحقيقة

في مشهد يجسّد عمق الانهيار الذي أصاب منظومة الخدمات في السودان، اندلعت موجة واسعة من الإضرابات وسط المعلمين والعاملين في قطاع التعليم، طالت عدداً من الولايات الواقعة تحت سيطرة حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، أبرزها الخرطوم والجزيرة وكسلا والشمالية والنيل الأبيض. وتكشف هذه الأزمة المتصاعدة عن هوّة سحيقة بين الأولويات الرسمية المنحازة للمجهود الحربي والاحتياجات الحياتية الأساسية لفئة يُنتظر منها تشكيل أجيال المستقبل.

الإضراب.. غضب متراكم انفجر في الفصول

أعلنت لجنة المعلمين السودانيين دخول أعداد كبيرة من المعلمين والمعلمات بولاية الخرطوم في إضراب عن العمل، احتجاجاً على تدني الأجور وتردي الأوضاع المعيشية وعدم التزام الدولة بسداد المتأخرات المالية من مرتبات وعلاوات ومنح وبدلات. وأشارت اللجنة، في بيانها، إلى أن هذا الحراك جاء تعبيراً عن حالة الغضب المتراكمة وسط المعلمين نتيجة سنوات من الإهمال والتهميش.

وقد أسفر الإضراب عن شلل واسع، إذ شهدت خلال الأشهر الماضية ولايات عدة، من بينها الجزيرة وكسلا والشمالية والنيل الأبيض، تحركات مطلبية مماثلة قادها معلمون للمطالبة بتحسين الأجور وصرف المستحقات المالية المتأخرة، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية التي تواجه العاملين في القطاع العام.

ولا تقتصر المأساة على تأخر الرواتب، بل تمتد إلى توقيتها القاسي؛ إذ أشارت اللجنة إلى أن المعلمين استقبلوا عيد الأضحى المبارك دون صرف رواتبهم أو مستحقاتهم المالية، معتبرة أن ذلك يعكس تراجع اهتمام الدولة بأوضاع العاملين في قطاع التعليم، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهونها هم وأسرهم.

موقف لجنة المعلمين.. حقوق لا امتيازات

دافعت لجنة المعلمين السودانيين بحزم عن مشروعية مطالبها، ورفضت أي توصيف يُقزّم الإضراب أو يقلل من أهميته. وأكدت أن استمرار العملية التعليمية يتطلب تحسين أوضاع المعلمين وضمان حياة كريمة لهم، مشددة على أن الأزمة الراهنة هي نتاج سنوات من الإهمال والتهميش وتدهور بيئة العمل في القطاع التعليمي. وأضافت اللجنة أن مطالب المعلمين تمثل حقوقاً مشروعة وليست امتيازات إضافية، موضحة أن تحسين أوضاعهم يشكل شرطاً أساسياً لإنقاذ قطاع التعليم والحفاظ على مؤسساته.

وفي موقف يؤكد أن الأزمة ذات طابع بنيوي لا ظرفي، أشارت اللجنة إلى أن التحركات الجارية في ولاية الجزيرة ليست معزولة عن أوضاع القطاع التعليمي في بقية الولايات، بل تمثل تعبيراً عن أزمة وطنية شاملة.

وفي ولاية الجزيرة تحديداً، طالبت لجنة المعلمين حكومة الولاية بالاستجابة الفورية لمطالب المعلمين والعاملين في قطاع التعليم، وعلى رأسها صرف المرتبات والمتأخرات المالية وتحسين الأجور، مؤكدة أن استقرار العام الدراسي في الولاية مرهون بالاستجابة لهذه المطالب.

ويرى محللون أن هذه التحركات لا يشترط أن تتم عبر نقابات رسمية في ظل التضييق على العمل النقابي، متوقعين ظهور أجسام مطلبية جديدة لإدارة الصراع مع أصحاب العمل، وربما تطورها لاحقاً إلى نواة لإعادة بناء الحركة النقابية على أسس ديمقراطية وقاعدية.

التهديد بالسلاح.. وزير يقلب المعادلة

لم يكد المعلمون يرفعون أصواتهم مطالبين بحقوقهم، حتى جاءهم الرد من أعلى سلطة تعليمية في الولاية بلغة تنتمي إلى ثقافة الحرب أكثر من انتمائها إلى ثقافة التعليم.

ففي أبريل الماضي، وجّه وزير التربية والتعليم بولاية الجزيرة، عبد الله أبو الكرام، تهديداً مباشراً للمعلمين رداً على مطالباتهم بتحسين الأجور وصرف المستحقات المتأخرة وإصلاح البيئة المدرسية، قائلاً إن عناصر كتائب البراء وقوات درع السودان جاهزون للعمل في التدريس بدلاً عنهم. وتخضع المجموعتان لعقوبات أميركية ودولية على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. وقد وثّق الكاتب الدكتور غازي الهادي السيد هذه الواقعة، موضحاً أن رد مدير عام التعليم بولاية الجزيرة، الأستاذ عبد الله أبو الكرام، على معلمي محلية الكاملين الذين طالبوه بحقوقهم خلال لقاء جمعهم به، جاء بالتلويح بكتائب البراء وقوات مسلحة أخرى، في مشهد وصفه بالمؤسف والمؤلم، معتبراً أن منطق التهديد والوعيد لا يليق بمسؤول يفترض أن يكون شريكاً في بناء الإنسان.

«عسكرة التعليم».. إنذار يحذّر منه المراقبون

أثار هذا التهديد موجة واسعة من ردود الفعل الغاضبة في الأوساط التربوية والسياسية السودانية، إذ رأى مراقبون أنه يتجاوز حدود الأزمة النقابية ليمس مستقبل الجيل بأكمله.

وحذّر مراقبون من خطورة ربط العملية التعليمية بحمل السلاح، معتبرين أن ذلك يمثل خطاباً خطيراً يسهم في إطالة أمد الحرب المستمرة في السودان منذ منتصف أبريل 2023، ويحول المؤسسات التعليمية إلى بيئة حاضنة لثقافة العنف والحرب. واعتبر البرلماني والوزير الأسبق مهدي داؤد الخليفة أن الزج بالطلاب في أجواء الحرب يشير إلى تحول خطير في دور الدولة، من مؤسسة معنية بحماية الشباب إلى جهة تدفعهم نحو الموت.

القمع البديل.. استدعاءات وإعفاءات

ولم تقتصر الاستجابة الرسمية على التهديد اللفظي، بل اتخذت في بعض المناطق أشكالاً أكثر مباشرة. فقد قالت لجنة المعلمين بمحلية شرق النيل إن السلطات استدعت عدداً من المعلمين للتحقيق بسبب مشاركتهم في الإضراب، كما جرى إعفاء عدد من مديري المدارس من مناصبهم. وجاءت هذه الإجراءات بعد يوم واحد فقط من إضراب المعلمين بولاية الخرطوم، في ظل تصاعد الاحتجاجات المطلبية وسط المعلمين في عدد من الولايات للمطالبة بزيادة الأجور وصرف المستحقات المالية وتحسين بيئة العمل.

حين يُعاقَب الضوء على إضاءته

يكشف هذا المشهد المركب، من إضرابات مشروعة وتهديدات بالميليشيات وإجراءات عقابية ضد المحتجين، أن أزمة التعليم في السودان تجاوزت حدود الملف الاجتماعي لتصبح قضية حوكمة وحقوق عمالية وحقاً أصيلاً في التعليم.

فالمعلم الذي لم يتسلّم راتبه حتى حلول العيد، يُهدَّد اليوم بأن يحل محله مقاتل داخل الفصل الدراسي. وهي صورة تختزل، ربما أكثر من أي حدث آخر، حجم الانهيار الذي يعيشه السودان في زمن الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.