أزمة الوقود تكشف اختلال الأولويات

تيسير المبارك

تتفاقم أزمة تمويل الوقود في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان بصورة تنذر بمزيد من الاضطرابات الاقتصادية والمعيشية، بعد الحديث عن عجز يتجاوز 326 مليون دولار في توفير التمويل اللازم لاستيراد المشتقات النفطية. ولا تبدو المشكلة مجرد أزمة سيولة عابرة أو خلل مؤقت في إدارة الموارد، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بأولويات الإنفاق العام في ظل استمرار الحرب واستنزافها لموارد الدولة المحدودة.
فالوقود ليس سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل يمثل عصب الحياة الاقتصادية. وأي اضطراب في توفيره ينعكس فوراً على حركة النقل وأسعار السلع الأساسية والإنتاج الزراعي والصناعي وتكاليف الخدمات المختلفة. ولذلك فإن اتساع فجوة التمويل بهذا الحجم يثير تساؤلات مشروعة حول كيفية إدارة الموارد العامة، وحول الأسباب التي أوصلت البلاد إلى مرحلة تعجز فيها السلطات عن تأمين واحدة من أهم السلع الاستراتيجية.
المتابع للمشهد الاقتصادي يدرك أن الحرب أصبحت المستهلك الأكبر لموارد الدولة. فمع استمرار العمليات العسكرية واتساع الإنفاق الأمني والعسكري، جرى توجيه الجزء الأعظم من الإيرادات المتاحة لخدمة المجهود الحربي، بينما تراجعت مخصصات القطاعات الإنتاجية والخدمية والتنموية. وفي ظل الانكماش الاقتصادي الحاد وتراجع الصادرات وتقلص الإيرادات الضريبية والجمركية، أصبحت الحكومة تواجه معضلة متزايدة في تمويل احتياجات المواطنين الأساسية.

إن الأزمة الحالية تكشف بوضوح الثمن الباهظ الذي يدفعه الاقتصاد السوداني نتيجة استمرار الحرب. فالأموال التي كان يمكن أن تُخصص لدعم استيراد الوقود أو تحسين الخدمات الصحية والتعليمية أو دعم الإنتاج الزراعي، يتم استنزاف جزء كبير منها في تمويل العمليات العسكرية ومتطلباتها. ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للمواطنين والقدرة الحكومية على تلبيتها، لتتحول الأزمات المعيشية إلى واقع يومي يثقل كاهل الأسر السودانية.

ولا يقتصر تأثير أزمة الوقود على محطات الخدمة أو وسائل النقل فحسب، بل يمتد إلى أسعار الغذاء والدواء وسلاسل الإمداد بأكملها. فكل زيادة في تكلفة الوقود تعني ارتفاعاً جديداً في تكاليف المعيشة، وكل نقص في الإمدادات يعني مزيداً من الضغوط على الأسواق التي تعاني أصلاً من التضخم وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين. والنتيجة النهائية هي تحميل المواطن فاتورة أخطاء السياسات الاقتصادية واستمرار الحرب معاً.

ما تحتاجه البلاد اليوم ليس فقط معالجة العجز البالغ مئات الملايين من الدولارات، وإنما مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق العام. فالدول لا تُدار بمنطق الطوارئ الدائمة، ولا يمكن للاقتصاد أن يصمد إلى ما لا نهاية تحت ضغط الإنفاق العسكري المتصاعد. إن إعادة التوازن بين متطلبات الأمن واحتياجات المواطنين أصبحت ضرورة ملحة، لأن استمرار توجيه معظم الموارد إلى الحرب يعني مزيداً من الأزمات الاقتصادية ومزيداً من التدهور في مستوى المعيشة.

لقد بات واضحاً أن أزمة الوقود ليست سوى عرض من أعراض أزمة أكبر تضرب بنية الاقتصاد السوداني. وما لم يتم العمل على وقف نزيف الموارد وإعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الحيوية والإنتاجية، فإن أزمات الوقود والكهرباء والسلع الأساسية ستظل تتكرر بأشكال مختلفة. فالمواطن السوداني لا يحتاج إلى تبريرات جديدة للأزمة، بل إلى سياسات تضع معيشته واحتياجاته الأساسية في مقدمة الأولويات، بدلاً من أن تظل موارد الدولة أسيرة لحرب تستنزف الاقتصاد وتبدد فرص التعافي والاستقرار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.