تروي الحكمة أن صاحب مزرعة أراد أن يتخلص من الفئران دون أن يطاردها واحداً واحداً.
لم ينصب المصائد، ولم يطاردها في جحورها، بل ألقى بخنزير ميت في بئر عميق، ثم دفع بالفئران إليه.
هناك، في قاع الظلام، وجدت نفسها أمام وليمة لم تخطط لها.
أكلت حتى شبعت، ثم اكتشفت أنها سجينة.
حاولت الخروج فلم تستطع.
وحين نفد اللحم واشتد الجوع، بدأت تأكل بعضها بعضاً.
ومع مرور الوقت لم يبق إلا فأر واحد.
عندها فتح صاحب المزرعة باب النجاة، وأطلقه في الحقل ليكمل المهمة نيابة عنه؛ يقضي على بني جنسه ويوفر على سيده عناء المواجهة.
هذه ليست حكاية عن الفئران، بل عن السياسة الكيزانية في السودان حين تبلغ أقصى درجات الانحطاط والبؤس.
إنها قصة الفأر الأخير الجنرال الحالم البرهان الذي يدرك أن السيطرة على الشعب السوداني المغلوب على أمره لا تحتاج دائماً إلى الجيوش وميليشيات الظل والموت، بل إلى إدارة الصراع بين الضحايا أنفسهم.
فحين ينشغل الناس بالاقتتال، يصبح هو الحارس للمأساة ومديراً لها، لا صانعاً مباشراً لكل تفاصيلها.
في بلادنا المنكوبة بجنرالها الحالم، تبدو الصورة أقرب إلى هذا المشهد الرمزي المؤلم.
سنوات طويلة من الانقسامات والحروب والاستقطاب جعلت الوطن أشبه ببئر عميق، يتنازع داخله أبناء الأرض الواحدة على ما تبقى من القوة والموارد والنجاة.
وفي كل جولة جديدة من الصراع، يخسر السودانيون مزيداً من الدماء والأحلام، بينما تتراجع الدولة وتتقدم الفوضى.
إن الجنرال التائه البرهان يخشى وحدة الشعب كثيراً، بل يخشاها أكثر من أي تهديد آخر.
لذلك يعمل على تحويل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى عداوة، والعداوة إلى حرب مفتوحة.
إنه يعرف أن الشعب المتماسك قادر على إسقاطه وإسقاط كوابيس أحلامه، أما الشعب المنهك بصراعاته الداخلية فلن يجد وقتاً لمحاسبة من أشعل النار أصلاً.
وكلما اشتد النزاع الداخلي، تمددت الأيدي الخارجية – ممثلة في دول بعينها يعلمها الشعب السوداني جيداً – نحو ثروات البلاد وقرارها الوطني.
فالأوطان المنقسمة أسواق مفتوحة للمصالح الأجنبية، والثروات المحروسة بالدم تصبح أسهل نهباً من الثروات المحمية بالدولة والقانون وحكم الشعب.
وهكذا يتحول الخراب إلى تجارة رابحة، ويتحول الوطن إلى ساحة تتقاطع فيها الأطماع بينما يدفع المواطن الثمن وحده.
إن مأساة الشعب السوداني ليست في وجود الخلافات، فكل الشعوب تعرف الخلاف.
المأساة الحقيقية هي حين يتحول الخلاف إلى مشروع حكم، وحين يصبح الاقتتال وسيلة لإدامة السلطة، وحين يُدفع الناس إلى معارك تستنزفهم حتى لا يبقى في النهاية سوى “فأر البئر” الذي يظن أنه انتصر، بينما هو في الحقيقة مجرد أداة أبقى عليها صاحب المصلحة الخفي لتؤدي وظيفة محددة في خدمته وهو يقف خارج المشهد.
لقد علمتنا الحكاية أن الفأر الأخير لم يكن المنتصر الحقيقي، بل كان أكثر الضحايا خداعاً.
ظن أنه نجا لأنه الأقوى، بينما نجا فقط لأنه أصبح مفيداً لصاحب المزرعة.
وهنا تكمن الحكمة السياسية الكبرى: ليس كل من يبقى واقفاً بعد الحرب منتصراً، فبعض الناجين ليسوا سوى أدوات أبقى عليها صاحب المصلحة لتواصل ما بدأته المأساة.
السودان لن يخرج من البئر بفأر أخير، ولا بفصيل أخير، ولا بزعيم يرفع راية النصر فوق ركام البلاد.
الخروج الحقيقي يبدأ حين يدرك السودانيون أن البئر صُمم ليبتلعهم جميعاً، وأن النجاة لا تكون بأكل بعضهم بعضاً، بل بهدم جدران البئر نفسها، واستعادة الوطن من كل من جعل من دمائه سلماً إلى السلطة أو جسراً إلى المصالح التي كل ما امتلأت خزائنها من ثرواتنا قالت هل من مزيد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.