في كل مرة يواجه فيها تيار الإسلام السياسي في السودان أزمة سياسية أو عزلة شعبية، يلجأ إلى الأسلوب ذاته: تغيير اللافتات والإبقاء على المشروع نفسه. فبدلاً من مراجعة التجربة التي قادت البلاد إلى سنوات طويلة من الاستبداد والانقسامات والحروب والأزمات الاقتصادية، يواصل هذا التيار البحث عن واجهات جديدة وأسماء مختلفة أملاً في إعادة تسويق نفسه أمام الرأي العام، وكأن المشكلة كانت في العنوان لا في المضمون.
خلال الأشهر الأخيرة برزت محاولات لتجميع قوى وشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي داخل أطر وتحالفات جديدة، في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أعقد أزماته السياسية والإنسانية. ويرى كثير من المراقبين أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سعي الإسلاميين إلى استعادة نفوذهم داخل مؤسسات الدولة والمشهد السياسي بعد سنوات من التراجع، مستفيدين من حالة الاستقطاب والفراغ السياسي التي أفرزتها الحرب.
المشكلة الأساسية ليست في إنشاء تحالف جديد أو كيان سياسي جديد، فذلك حق تكفله الممارسة السياسية. لكن الإشكال يكمن في محاولة تقديم هذه التكتلات باعتبارها مشروعاً مختلفاً، بينما تضم في جوهرها العديد من الوجوه والأفكار التي ارتبطت بفترات من الإخفاق السياسي والاقتصادي. فالسودانيون الذين عانوا من الحروب والتدهور المعيشي والانقسامات الاجتماعية لا ينظرون إلى الأسماء بقدر ما ينظرون إلى الحصيلة والنتائج.
لقد ظلت جماعة الإخوان المسلمين، عبر أذرعها السياسية والتنظيمية المختلفة، جزءاً أساسياً من المشهد الذي أوصل السودان إلى أزمات متلاحقة. وخلال سنوات حكمها الطويلة واجهت اتهامات واسعة بإضعاف مؤسسات الدولة، وتمكين الموالين، وتهميش الكفاءات، وإدارة البلاد بمنطق الولاء السياسي بدلاً من الكفاءة والمواطنة. كما ارتبطت تلك المرحلة بأزمات اقتصادية عميقة وصراعات مسلحة وتضييق على الحريات العامة، وهي وقائع لا يمكن تجاوزها بمجرد إطلاق مسميات جديدة أو إعادة ترتيب التحالفات.
وإذا كان الهدف من هذه التكتلات الجديدة هو توفير غطاء سياسي لإعادة إنتاج نفوذ الإسلاميين داخل الدولة أو تعزيز مواقع القوى المرتبطة بهم، فإن ذلك لن يساهم في حل الأزمة السودانية بقدر ما سيعمق حالة الاستقطاب والانقسام. فالسودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة والعدالة والشفافية، لا إلى إعادة تدوير النخب والتنظيمات التي كانت جزءاً من المشكلة.
إن التحدي الحقيقي أمام أي قوة سياسية لا يتمثل في قدرتها على تغيير الشعارات، بل في استعدادها للاعتراف بأخطائها وتقديم رؤية مختلفة للمستقبل. أما محاولات الالتفاف على الذاكرة الوطنية عبر واجهات جديدة وتحالفات محسوبة على ذات المشروع القديم، فلن تغير كثيراً من حقيقة أن السودانيين أصبحوا أكثر وعياً بتجارب الماضي وأكثر تمسكاً بمطلب بناء دولة مدنية ومؤسسات وطنية بعيدة عن الهيمنة الحزبية والأيديولوجية.
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً نتيجة الصراعات السياسية والمشروعات الإقصائية، ومن حقه أن يتساءل عن جدوى عودة القوى ذاتها بأسماء مختلفة. فالمستقبل لا يُبنى بإعادة تدوير الأزمات، وإنما بفتح صفحة جديدة قائمة على المحاسبة والإصلاح الحقيقي واحترام إرادة المواطنين. وفي هذا السياق، تبقى أي محاولة للعودة إلى المشهد السياسي مرهونة بقدرتها على إقناع الشارع السوداني بأنها تحمل مشروعاً جديداً بالفعل، لا مجرد نسخة أخرى من تجارب أثبتت فشلها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.