بينما تنشغل الآلة الإعلامية بالحديث عن كتائب المستنفرين لسد الفراغ العريض الذي خلفه غياب المعلمين في “ود مدني” وغيرها من بقاع السودان، يُغفل الجميع جوهر القضية وأصل الأزمة. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة بدائل ترقيعية أو حلول مدفوعة بـ”الحماس المؤقت”، بل هي معركة حماية كرامة قادة المجتمع الذين أُهينوا بقطع أرزاقهم وحُرموا من أبسط حقوقهم الإنسانية؛ وهي ليست حقوقاً مستحيلة، بل حقهم في الراتب وحقهم في الحياة.
إن الحديث عن سد النقص في الكوادر التعليمية عبر دفع كتائب من المستنفرين المدربين عسكرياً -غير المدربين تربوياً ونفسياً- للقيام بمهام المعلم، يعكس بشكل واضح قصر نظر وضيق أفق حاد من قِبل القائمين على الأمر، وأعني بالتحديد والي الجزيرة الذي يظن أن مهنة التعليم هي مهنة من لا مهنة له؛ لذا نجده يزبد ويرعد ويصدر أوامره غير المعقولة في مسرح اللامعقول الذي يعتليه، ليضع نفسه كممثل فاشل يؤدي دوراً عبثياً.
ولكن واهمٌ من يعتقد أن هنالك بديلاً يستطيع القيام بأداء مهام المعلم غير المعلم نفسه؛ فالتعليم ليس مجرد تلقين لمعلومات صماء، بل هو رسالة تربوية وعلمٌ قائم بذاته يتطلب مؤهلات علمية وعملية ونفسية دقيقة.
إن حصر مشكلة المعلمين -كما ذكر الوالي- في غيابهم لتصحيح امتحانات الشهادة أو الهجرة والنزوح، لهو قفز فوق الحقيقة المرة المتمثلة في تجويعهم الممنهج؛ وهو منتهى الإهانة للعملية التعليمية برمتها. كيف يُطلب من عسكري مستنفر، مهما بلغت وطنيته، أن يبني جيلاً معافى وسليماً وهو يدخل فصلاً دراسياً تأسس على أنقاض حقوق المعلمين الأصليين؟
أين حق التلميذ الذي تقهقر عامه الدراسي من تسعة أشهر إلى ثلاثة أشهر تحت مسمى “سنة مضغوطة”؟ إضافة إلى استجلاب معلم عسكري بديل للمعلم الأصلي في ظل الراهن الذي يعيشه التلميذ وأسرته. كيف نطلب منه النجاح والتفوق لبناء الأوطان؟ فيا عجبي!
في ظل هذا المشهد المأساوي، برزت لجنة المعلمين السودانيين كحائط صد أخير للدفاع عن كرامة المعلم وحقه في البقاء. هذا الحراك لم يكن ترفاً ولم يأتِ من فراغ، بل كان صرخة في وجه حكومة بورتسودان (حكومة الأمر الواقع) التي تراكمت عليها مرتبات المعلمين لشهور طويلة منذ اندلاع الح.رب العبثية.
أبناء وبنات السودان من المعلمين لم يخرجوا للمطالبة بامتيازات نخبوبة؛ لم يطلبوا سيارات فخمة أو فارهة تتجول في الشوارع، لم يطلبوا فيللاً مجهزة أو بدلات سفر خيالية، كل ما طالبوا به هو مرتباتهم الزهيدة المتراكمة، التي لا تكاد تكفي لتأمين لقمة العيش الأساسية لهم ولأسرهم.
المعلم السوداني اليوم يعيش تحت وطأة التزامات قاسية؛ لديه أطفال ينتظرون الحليب والكساء، وإيجارات منازل تلاحقه في مدن النزوح واللجوء، واحتياجات حياتية عادية لا ترحم؛ فكيف تطالبه السلطة بالصمود والعطاء وهي تحرمه من ثمن الخبز؟ فاعلموا أن المعلم المنكسر لا ينشئ جيلاً معافى.
إن المحاولات المستمرة لإذلال المعلم وكسر شوكته، وتركه يعيش في حالة من ضيق ذات اليد والفاقة والحرمان، هي جريمة في حق مستقبل السودان. فاعلموا أن المعلم المنكسر والمهان لا ينشئ جيلاً معافى وسليماً، إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه، والمعلم الذي يلاحقه صاحب المنزل لطرد أسرته، ويمشي إلى مدرسته ببطن خاوية وهامة منكسرة من الديون، لن يملك الطاقة النفسية ولا الذهنية ليزرع القيم والأمل والعلم في نفوس الطلاب. إن إجبار المعلمين على العمل في ظروف الحوجة والفقر هو تدمير ممنهج للتعليم، وتحويل المدارس إلى بيئات كئيبة تفتقر للإبداع والعطاء.
مالكم كيف تحكمون؟
على حكومة بورتسودان والجهات القائمة على الأمر أن تعي تماماً أن خوض المعارك ضد المعلمين، أو محاولة استبدالهم بمسكنات مؤقتة تحت لافتات الإسناد المدني والشعبي أو المستنفرين أو الكتائب، لن يحل الأزمة بل سيزيدها عمقاً. فالمعلمون هم قادة المجتمع الحقيقيون وصناع الوعي والركيزة الأساسية لأي بناء وطني مستقبلي.
إننا نوجهها دعوة صادقة وقوية لكل معلم ومعلمة في السودان بأن حافظوا على قيمتكم وكرامتكم ولا تنكسروا. إن صمودكم مع لجنتكم ونضالكم من أجل حقوقكم هو النواة الحقيقية لإعادة صياغة الوطن على أسس العدالة والكرامة، واعلموا أن الحقوق تُنتزع انتزاعاً. ويا أصحاب الكراسي السيادية الوثيرة، أعطوا المعلمين حقوقهم المتراكمة فوراً، ولا تخوضوا معارك خاسرة ضدهم. فما لكم كيف تحكمون؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.