(مُستنفرين) للقيام بأدوار المعلمين.. إلى أين يقود الإسلاميون التعليم في السودان؟

تيسير المبارك

في خضم الأزمة التعليمية الخانقة التي يعيشها السودان، وبينما يواصل آلاف المعلمين إضرابهم احتجاجاً على أوضاعهم المعيشية والمهنية المتردية، برزت دعوات للدفع بمستنفرين ومتطوعين لشغل الفراغ داخل المدارس. وهي خطوة تثير أسئلة عميقة حول مستقبل التعليم في البلاد، وحول الطريقة التي تُدار بها الأزمات الوطنية في ظل هيمنة العقلية الأمنية والتعبوية على حساب الحلول المهنية والمؤسسية.

التعليم ليس ميداناً يمكن إدارته بمنطق الطوارئ أو الاستنفار. فالمعلم ليس مجرد شخص يقف أمام السبورة، بل صاحب تأهيل علمي وتربوي ورسالة مهنية تتطلب سنوات من التدريب والخبرة. ولذلك فإن محاولة معالجة أزمة المعلمين عبر استبدالهم بعناصر جرى إعدادها لأدوار مختلفة تماماً، تعكس فهماً قاصراً لطبيعة العملية التعليمية، وتختزل واحدة من أهم مؤسسات الدولة في وظيفة يمكن لأي شخص أن يؤديها دون تأهيل أو خبرة.

الأزمة الحالية لم تنشأ لأن المعلمين رفضوا أداء واجبهم الوطني، بل لأنهم وصلوا إلى مرحلة لم يعد بإمكانهم فيها التعايش مع أوضاع اقتصادية قاسية جعلت رواتبهم عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. وكان الأجدر بالسلطات أن تنصرف إلى معالجة أسباب الإضراب والاستماع إلى مطالب المعلمين، بدلاً من البحث عن بدائل مؤقتة قد تزيد من تعقيد المشكلة وتلحق ضرراً طويل الأمد بمستوى التعليم.

ويرى مراقبون أن اللجوء إلى المستنفرين لسد النقص في المدارس يعكس توجهاً أوسع نحو عسكرة الفضاء المدني وإقحام الهياكل المرتبطة بالحرب في مجالات يفترض أن تبقى مهنية ومستقلة. فالدول التي تسعى إلى بناء مستقبل مستقر تستثمر في تدريب المعلمين وتحسين بيئة التعليم، لا في تحويل المدارس إلى ساحات تعويض لأزمات سياسية واقتصادية لم يكن الطلاب طرفاً فيها.

الأخطر من ذلك أن هذه السياسات تحمل رسائل سلبية للأجيال الجديدة. فعندما يرى الطلاب أن المعلم المؤهل يمكن استبداله بسهولة، وأن المؤسسات التعليمية تخضع لمنطق التعبئة والاستقطاب بدلاً من معايير الكفاءة، فإن ذلك يضعف مكانة التعليم نفسها ويهز الثقة في قيمة التأهيل العلمي والتخصص المهني. كما أنه يفتح الباب أمام تسييس المؤسسات التعليمية وإقحامها في صراعات لا علاقة لها برسالتها الأساسية.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية نتيجة تسييس مؤسسات الدولة وإخضاعها للحسابات الحزبية والأيديولوجية. وكان التعليم من أكثر القطاعات تأثراً بهذه السياسات، حيث تراجعت البنية التعليمية وهاجرت الكفاءات وتدهورت أوضاع المعلمين. واليوم، بدلاً من الاستفادة من دروس الماضي، تبدو بعض القوى السياسية وكأنها تكرر الأخطاء نفسها عبر البحث عن حلول تعبوية لأزمات تحتاج إلى إصلاحات حقيقية.

إن إنقاذ التعليم يبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم، وتحسين شروط عمله، وضمان استقلال المؤسسات التعليمية عن التجاذبات السياسية. أما اللجوء إلى بدائل مؤقتة تحت ضغط الأزمة، فقد يوفر مخرجاً إدارياً قصير الأجل، لكنه لن يحل المشكلة الأساسية، بل قد يفاقمها على المدى البعيد.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت أزمة التعليم تُعالج بمنطق الاستنفار، وأزمة الاقتصاد تُدار بمنطق الحرب، وأزمة السياسة تُواجه بمزيد من الاستقطاب، فإلى أين يمضي السودان؟ الإجابة ليست في البيانات والشعارات، بل في واقع يومي يزداد صعوبة، وفي أجيال تستحق نظاماً تعليمياً يحمي مستقبلها بدلاً من أن يجعلها ضحية جديدة لصراعات الحاضر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.