هل أتى هؤلاء من أرحام سودانيات؟

تيسير المبارك

كلما لاحت بارقة أمل تفتح نافذة نحو إيقاف الحرب في السودان، خرجت أصوات من معسكر الإسلاميين والإخوان المسلمين لتغلق تلك النافذة بإحكام، وكأن السلام بالنسبة لهم خطر يهدد وجودهم السياسي، لا فرصة لإنقاذ وطن ينهار وشعب يئن تحت وطأة الموت والجوع والنزوح. فمنذ اندلاع الحرب، ظل السودانيون يدفعون أثماناً باهظة من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبل أبنائهم، بينما يواصل دعاة الحرب التحريض والتعبئة ورفض أي مبادرة يمكن أن تقود إلى وقف القتال أو فتح الطريق أمام حل سياسي شامل.
لقد تحولت الحرب إلى مشروع سياسي لبعض القوى التي ترى في استمرارها وسيلة للعودة إلى المشهد من بوابة الدماء والخراب. فكل دعوة لوقف إطلاق النار تُقابل بالتشكيك، وكل مبادرة إنسانية تُحارب بحملات التخوين، وكل حديث عن التفاوض يُصوَّر على أنه استسلام أو خيانة. وبينما تتسع رقعة المجاعة وتنهار الخدمات الأساسية وتُغلق المدارس والمستشفيات وتتشرد ملايين الأسر داخل السودان وخارجه، لا يزال هناك من يعتقد أن المزيد من القتال هو الطريق إلى السلطة والنفوذ.
وأمام هذا المشهد المؤلم، يحق للسودانيين أن يتساءلوا: هل يشعر هؤلاء بمعاناة الأمهات اللائي فقدن أبناءهن؟ هل يرون الأطفال الذين حُرموا من التعليم والأمان؟ هل يسمعون صرخات النازحين في المعسكرات واللاجئين في المنافي؟ بل يذهب الغضب الشعبي إلى سؤال أكثر مرارة: هل أتى هؤلاء من أرحام سودانيات عرفن قيمة الحياة والرحمة والتكافل؟ فالأم السودانية التي ربّت أبناءها على الشهامة والإنسانية لا يمكن أن تقبل أن يتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة للموت من أجل حسابات سياسية ضيقة.

إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الخطب الحماسية ولا بارتفاع نبرة الشعارات، وإنما تُقاس بالقدرة على حماية الإنسان وصون كرامته والحفاظ على وحدة البلاد. ومن يرفض السلام بينما تتكدس المقابر وتتزايد أعداد المشردين، عليه أن يجيب أمام التاريخ عن مسؤوليته الأخلاقية والسياسية. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من دعاة الحرب، بل إلى أصوات عاقلة تضع مصلحة الشعب فوق المصالح التنظيمية والحزبية، وتدرك أن السلام ليس هزيمة لأحد، بل انتصار للحياة وللوطن الذي يستحق أن ينهض من تحت الركام.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة التفاوض، لكن الفرق يكمن في حجم الخسائر التي تسبق ذلك. وكل يوم يتأخر فيه السلام يعني مزيداً من الأرامل والأيتام والخراب الاقتصادي والاجتماعي. لذلك فإن عرقلة جهود السلام، أياً كان مصدرها، تمثل موقفاً لا يخدم السودان ولا مستقبله. وسيظل السؤال الأخلاقي قائماً في وجدان السودانيين: كيف يستطيع بعض الساسة والمتنفذين النوم مطمئنين بينما يحترق وطن بأكمله؟ وكيف يمكن لمن يدّعي حب السودان أن يقف في وجه كل فرصة تمنح أبناءه حقهم في الحياة والأمن والاستقرار؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستبقى وصمة تلاحق كل من فضّل استمرار الحرب على إنقاذ الوطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.