مصر والسعودية وجر السودان إلى الوراء

د. النور حمد

ماذا وراء تلميع عبد الرحمن الصادق المهدي

من متابعتي لوسائط التواصل الاجتماعي، مؤخرًا، لاحظت أن هناك نشاطًا إعلاميًّا محمومًا، تركَّز بقوةٍ في الشهور الماضية في تلميع الفريق/م، عبد الرحمن الصادق المهدي. والفريق/م عبد الرحمن الصادق المهدي، ظل، كما هو معلومٌ للجميع، ملتصقًا منذ حياة والده الراحل، السيد الصادق المهدي بنظام الإنقاذ. وقد تحدث عن التصاق عبد الرحمن الصادق المهدي بنظام الإنقاذ والده، السيد، الصادق المهدي ذاكرًا أن ذلك هو خيار عبد الرحمن الشخصي. ورغم ذلك، ردَّد البعض، حينها، أن حزب الأمة، بقيادة زعيمه الراحل، السيد الصادق المهدي، إنما كان يعمل على توزيع البيض على مختلف السلال.

هذا النشاط الإعلامي المحموم الذي يجري حاليًا في تلميع الفرق/م عبد الرحمن الصادق المهدي، إضافةً إلى ظهور جعفر الميرغني إلى جانبه في واحدٍ من هذه الأنشطة، وكذلك، ظهور السفير السعودي معه في فيديوهات سابقة، في دار السيد الصادق المهدي، ربما يمكن أن يكون جزءًا من تهيئةٍ للرأي العام تمهيدًا لتوليته منصبًا رفيعًا؛ ربما رئيسًا الوزراء في حكومة البرهان، أو وضعه في منصبٍ سيادي. أيضًا، ربما يمكن أن نضع، إلى جانب كل ذلك، ما تردد في الأخبار عن عودة السيد، محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، إلى البلاد. عمومًا، ظل عبد الرحمن الصادق المهدي والحزب الاتحادي الديمقراطي، فرع السيد محمد عثمان الميرغني حلفاء لنظام الإنقاذ. ولذك فإن الإتيان بهما، في هذه المرحلة، ليس مستغربًا وهو لن يكون سوى إتيانٍ بالإنقاذ في ثوبٍ جديد. إلى جانب ما تقدم تعيش في القاهرة ابنتا السيد الصادق المهدي مريم ورباح وربما أخرياتٌ من بناته مع أزواجهن. كما تعيش بعض قيادات حزب الأمة الأخرى، كالصديق الصادق المهدي. إلى جانب ذلك، يعيش بعض السياسيين والمثقفين السودانيين في القاهرة. ومن وجهة نظري التي طالما رددتها، أن من يرتضي من الفاعلين السياسيين السودانيين عيش المنفى في القاهرة، مهما كانت اللافتة التي يستظل بها، فإنه لا بد دافعًا، طوعًا أو كرهًا، أثمانًا حتمية السداد، نظير وجوده هناك.

مصر والبرهان

منذ أن رفض ثوار ديسمبر الفريق عوض بن عوف، انخرطت مصر، وبقوةٍ، في الرهان على الفريق البرهان، الذي خرج إلى الناس من عتمة صفوف الضباط الإسلاميين الخلفية، ليجلس على رئاسة اللجنة الأمنية التي احتلت لاحقًا، في غفلةٍ قاتلةٍ من قوى الحرية والتغيير، الجزء الغالب من مقاعد المجلس السيادي. لقد قامت مصر، أول ما قامت، ضمن جهودها لإجهاض ثورة ديسمبر المجيدة، بدفع البرهان لارتكاب مجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019. وحين فشلت عملية فض الاعتصام في تحقيق أهدافها السياسية، اتجهت مصر إلى صناعة ما تسمي “الكتلة الديموقراطية”، التي حضر حفل تدشينها في قاعة الصداقة في الخرطوم السفير المصري لدى السودان. ثم، ما لبثت تلك الكتلة المصنوعة أن أقامت اعتصامًا محروسًا من البرهان وقبيله، أمام القصر الجمهوري، ونادت بالانقلاب على الوثيقة الدستورية. فاستجاب لها البرهان كما كان مخطَّطًا لذلك من جانب مصر. فحدث انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أدخل البلاد في هذا المأزق العويص الذي يُنذر بنسف الدولة من أساسها.

فشل الانقلاب في تحقيق أهدافه السياسية وتباعدت الخطوط بين البرهان وقيادة الدعم السريع التي انتقدت نفسها في اشتراكها في الانقلاب. ثم نشأت فكرة الاتفاق الإطاري للخروج من الأزمة، التي وافق عليها الدعم السريع. فما كان من البرهان والإخوان المسلمون إلا وأن أشعلوا حرب 15 أبريل الكارثية لاستئصال قوات الدعم السريع وإخراجها من المعادلة والاستفراد بالقوى السياسية المدنية وقمعها أو التخلص منها نهائيًا. ومن ثم، إعادة الإخوان المسلمين إلى السلطة. ولا تزال رحى هذه الحرب الكارثية تدور، ولا تزال تداعياتها المأساوية تتعمق وتتسع.

بعد أن تكثفت الجهود المبذولة لوقف الحرب، سعى البرهان ومن ورائه مصر إلى العمل لإفشال خطة الرباعية التي قضت بخروج الجيش عن السياسة وعن السيطرة على الاقتصاد. وقد جرى ذلك بالتملص المتواصل من لقاءات التفاوض، بغرض شراء الوقت، والمضي في جهود حسم الصراع عسكريًا. وقد كان البرهان مدفوعًا في ذلك بالتوجيهات المصرية. أيضًا، عمدت مصر إلى الالتفاف على جوهر مبادئ الخطة، بتشجيع ما سميت الآلية الخماسية التي وقفت مصر وراء هندستها. ولقد جنت مصر من إسهامها الكبير في إطالة أمد الحرب، مكاسب اقتصادية بالغة الضخامة، ولا تزال تجني. بل شرعت مصر في غزو مواقع التعدين داخل السودان عسكريًّا وقتلت أعدادًا غفيرة من المعدنين الأهليين السودانيين لم تجرؤ السلطات السودان على الكشف عن أعدادهم. بل لم تجرؤ أن تنبس ببنت شفة تجاه مصر.

مع تزايد الضغط الدولي لإيقاف الحرب اتجهت مصر، مؤخرًا إلى دفع البرهان إلى ما أسمته الحوار السوداني/السوداني في الداخل. واستخدمت مصر نفوذها في جامعة الدول العربية التي ليست سوى فرع للخارجية المصرية، كما استخدمت نفوذها في منظمة الإيقاد وفي الاتحاد الإفريقي لتصبح الآلية الخماسية الملغومة أداة لسحب البساط من الرباعية. لكن، فشلت الخطة المصرية، إذ رفضت جميع القوى السياسية الحقيقية دعوتها لمواصلة الحوار في الجولة التي دعت لها من أديس أبابا في بداية هذا الشهر. فبسبب التصميم السيء المغرض لهيكلة الحوار، لم تستجب لدعوة الخماسية الملغومة سوى بقايا ما سُمِّيت “الكتلة الديمقراطية”.

في تقديري إن مصر ليست عجلةً على إنهاء الحرب في السودان. فهي لم تكن في يوم من الأيام داعمة لاستقرار السودان ولا لتقدم أحواله ولم تكن مكترثةً بما يصيب أهله من مآسي وأهوال، ما دام ذلك يصب في مصلحتها. فهي تعرف جيدًا أنها تنتفع أيما انتفاع من اضطراب السودان وبقائه تحت ظل أنظمةٍ عسكريةِ فاشلةٍ، تديرها هي من وراء الستار لمصلحتها. فمصر تكسب من ذلك أخذ حصة السودان من مياه النيل. كما تكسب من ارتدافه وراءها ليتبنى رؤيتها فيما يتعلق بملف مياه النيل. كما أنها تنتفع، أيما انتفاع، من نهب موارده الثرة التي أصبحت تدعم الخزينة المصرية بما لم تكن تتصوره الحكومة المصرية. وقد تأكد لمصر عمليًّا خلال سنوات هذه الحرب أن اقتصادها قد قفز قفزةً نوعيةً بسبب نهبها موارد السودان الثرة، فطفقت تعمل على إطالة أمد الحرب.

وضع السعودية في الملعب

أما المملكة العربية السعودية فيبدو أنها قد أصابها القلق من تطاول أمد الحرب في السودان ومن تأثيراتها الأمنية السالبة عليها، خاصةً ما يتعلق بالبحر الأحمر. لقد انخرطت السعودية، منذ البداية في تقديم الدعم العسكري والسياسي للفريق البرهان. لكنها انخرطت مؤخرًا في الملف السوداني بقوةٍ كبيرة. لكن انخراطها هذا يجري، فيما أرى، دون معرفةٍ كافيةٍ بالواقع السياسي والاجتماعي السوداني، ودون إدراكٍ عميقٍ لتعقيداته. ومن علامات ذلك، توجهها إلى جانب الدعم العسكري والمالي، إلى نفخ الروح في بعض رموز الحزبين الطائفيين العجوزين؛ الأمة والاتحادي، ظنًّا منها أنهما لا يزالان يتمتعان بشعبيةٍ واسعةٍ، يمكن أن تعطيا بقاء البرهان في السلطة شيئًا من الشرعية بتمثيل دور الحاضنة الشعبية له. وهذا في تقديري، تصوُّرٌ خاطئ، فهذه الرموز “الأنصارية” و”الختمية”، التي تعوِّل عليها السعودية الآن قد خبا بريقها. كما أنها قد ظلَّت جزءًا من بنية نظام الإنقاذ ومكوِّنًا عضويًا من مكوناته.

أيضأ أخطأت السعودية في الحسابات حين ظنَّت أن في وسع البرهان الانفلات من قبضة الإخوان المسلمين. فالبرهان منخرط ٌالآن مع إيران والحوثيين في تدبير شؤون انتصاره عسكريًّا في هذه الحرب، ومن ثم البقاء في السلطة. وقد وثقت انخراطه هذا مع الإيرانيين والحوثيين تقارير عالمية موثوقة. فهو قد ظل يلعب على مختلف الحبال مخادعًا وناصبًا على الجميع؛ داخليًّا وخارجيا. وهو في عموم الأمر شخصٌ ليس جديرًا بالثقة، مطلقا.

ما من شك أن السعودية قلقةٌ من اضطراب الأحوال في السودان، وتخشى على أمنها جراء ذلك. لكنها، فيما أرى، تسلك دربًا زلقًا لتحقيق استقراره السودان وتحقيق مصالحها من وراء ذلك. لكن مما لا شك فيه أيضًا أن السعودية لا تريد قيام نظامٍ ديمقراطيٍّ غرب البحر الأحمر، وكذلك مصر التي أفشلت فيها الدولة العميقة، وعلى رأسها الجيش، الثورة المصرية. السعودية، كما مصر، تريد جنرالاً ضعيفًا مَدينًا لها، يصبح ألعوبةً في يدها، تحقق من وراء إمساكه بالسلطة مصالحها، خاصة فيما بتعلق بثروات البحر الأحمر، والأمن الغذائي، والفرص الاستثمارية، والتبعية الجيواستراتيجية. لكن، كما أوضحنا فإن البرهان مرتبطٌ عضويًّا بإيران، ومن ثم، بالحوثيين. وهذا ما يبدو أن السعودية تتجاهله، ولسوف تدفع ثمنه لا محالة. أما مصر فإن استمرار اضطراب الأحوال في السودان من مصلحتها، كما أوضحنا مرارًا وتكرارا.

قنبلة حلف مكة

لقد زاد من تعقيدات هذا الوضع، مؤخرًا، ما سُمِّي “حلف مكة”، الذي جرى إعلانه قبل أيام، وضم كلًّا من السعودية وتركيا وباكستان. بهذا الحلف وضعت السعودية نفسها في مواجهة إيران، بصورةٍ أكثر حدة. كما وضعت نفسها، من الجهة الأخرى، في مأزقٍ طرفاه إسرائيل وأمريكا. فأمريكا لا بد أنها شعرت أن ثقة الخليجيين فيها، نتيجة للحرب التي اشعلتها مع إسرائيل على إيران، قد تزعزعت. فهذا الحلف، بقدر ما هو موجَّهٌ لدرء أخطار إيران، فإنه، أيضًا، موجَّهٌ، بنفس القدر، وبالضرورة، ضد إسرائيل. الشاهد أن كامل المناخ الإقليمي يتغير بصورةٍ دراماتيكية. فدعونا ننتظر لنرى عن أي صورةٍ سوف يسفر التدخل السعودي في السودان، عبر الترتيبات التي تجري هندستها مع بورتسودان ومع القوى السياسية المختلفة التي تعمل السعودية على استمالتها لخطتها الرامية لتثبيت البرهان في الحكم.

كما علينا أن ننتظر لنرى، أيضًا، ما هي تأثيرات رفض مصر الانضمام إلى حلف مكة، رغم إلحاح السعودية وضغطها عليها لكي تنضم. فمصر قد تمنَّعت من قبل على السعودية، برفضها الاشتراك فيما سُميت “عاصفة الحزم”، التي شنت فيها السعودية مع بعض حلفائها الخليجيين، الحرب على الحوثيين في مارس 2015. والآن، لا ندري ما هو سبب التمنُّع المصري الحالي. هو لحساباتٍ جيواستراتيجية، كالخوف من إيران والحوثيين والإسرائيليين، أم هو مناورةٌ للابتزاز وجلب العون المالي، كديدن مصر مع الخليجيين.

ختام القول، إن السودان قطرٌ عملاقٌ من حيث الإمكانات، ومن حيث الوعد. وهو بهذه الصفة يسبب رعبًا حقيقيًا لكافة جيرانه، لكون ثرواته غير ناضبة، ولكون إنسانه وارثٌ، تاريخيًا، لفضائل مدفونه، هي بعضٌ من خميرة عالم الغد المنتظر. فكل المؤهلات لكي يصبح قوةً إقليميةً كبيرةٌ متوفرةٌ فيه. مشكلة السودان أن الأقزام فاقدي الوقدة الروحية والرؤية، من عبيد السلطة والمال، ومن منزوعي الحس الوطني والضمير اليقظ، هم من ظلوا يديرون شؤونه. لكن، هذا حتمًا إلى زوال: “قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ”، وقد: “أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.