جدد مندوب حكومة بورتسودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، تمسك حكومته بربط أي عملية سياسية بإنهاء الوجود العسكري لقوات الدعم السريع، واضعًا سلسلة من الاشتراطات التي يرى مراقبون أنها تجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر تعقيدًا، وتؤجل فرص وقف الحرب.
وأكد الحارث أن أي حوار وطني يجب أن يُعقد من داخل العاصمة الخرطوم، وبمشاركة القوى السياسية والمنظمات الحزبية التي قال إنها تعرضت للتهميش خلال الفترات السابقة، في وقت تتهم فيه قوى مدنية حكومة بورتسودان بتضييق المجال السياسي وإقصاء خصومها.
وأوضح أن مدخل السلام يبدأ بتنفيذ “إعلان جدة” عبر انسحاب قوات الدعم السريع من المقار المدنية ومنازل المواطنين، قبل أن تمتد الاشتراطات لتشمل الانسحاب من المدن الرئيسة في إقليم دارفور وبقية الولايات التي شهدت عمليات عسكرية.
ويرى مراقبون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» أن خطاب حكومة بورتسودان لم يعد يقتصر على تحديد إطار للتفاوض، بل بات يعيد صياغة شروطه كلما تغيرت موازين القوى على الأرض، فيما يُعرف سياسيًا باستراتيجية «الشروط المتحركة» «Moving Goalposts».
ويشير هؤلاء إلى أن المطلب الذي بدأ بإخلاء العاصمة الخرطوم توسع لاحقًا ليشمل مدن دارفور وولايات الوسط، الأمر الذي يجعل أي عملية تفاوضية مرهونة بتحقيق مكاسب عسكرية مسبقة، ويقرب مسار السلام من منطق فرض الوقائع على الأرض أكثر من كونه عملية تفاوض تقوم على التنازلات المتبادلة.
كما يلفت المراقبون إلى أن اشتراط عقد الحوار داخل الخرطوم يثير تساؤلات بشأن جدية الدعوة إلى عملية سياسية شاملة، في ظل استمرار القيود الأمنية والسياسية، وملاحقة شخصيات وقوى معارضة، وهو ما يجعل المشاركة الفعلية، بحسب تقديرهم، مقتصرة على الأطراف التي تقبل بشرعية السلطة القائمة في بورتسودان.
وأثارت إشارات الحارث إلى ضرورة إشراك المنظمات الحزبية التي هُمِّشت اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية، إذ اعتبرها محللون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» رسالة تتجاوز الدعوة إلى الشمول السياسي، وتحمل مؤشرات على إعادة تأهيل القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول، بعد سنوات من العزلة السياسية.
ويرى متابعون أن هذا الخطاب يهيئ الأرضية لإعادة دمج التيارات الإسلامية، بما فيها المؤتمر الوطني المحلول، إلى جانب حلفاء الجيش من حركات الكفاح المسلح والإدارات الأهلية المنضوية تحت ما يعرف بالمقاومة الشعبية، ضمن أي ترتيبات سياسية مقبلة، تحت شعار «رفض الإقصاء» وتحقيق الشمول السياسي.
ويخلص مراقبون للشأن السوداني، في حديثهم لـ«عين الحقيقة»، إلى أن خطاب حكومة بورتسودان لا يعكس استعدادًا لتقديم تنازلات متبادلة بقدر ما يعكس سعيًا إلى فرض معادلة تفاوضية تتسع شروطها مع كل تغير ميداني، بما يكرس واقعًا سياسيًا جديدًا قبل إطلاق أي عملية سلام. ويرى هؤلاء أن هذا النهج يضيق هامش التسوية، ويؤجل فرص إنهاء الحرب، ويزيد من كلفة الصراع الإنسانية والسياسية على السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.