في السياسة، لا تُمنح الألقاب مجاملة، بل تُكتسب بالمواقف والأفعال والنتائج. وإذا كان هناك لقب يلاحق الفريق أول عبد الفتاح البرهان في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان، فهو بلا شك لقب “معرقل السلام”، ليس بسبب اتهامات خصومه، وإنما بسبب واقع سياسي وعسكري بات يراه السودانيون والعالم بأسره على الأرض.
فمنذ اندلاع الحرب، لم تتوقف المبادرات المحلية والإقليمية والدولية الداعية إلى وقف القتال وفتح الممرات الإنسانية والجلوس إلى طاولة التفاوض. لكن النتيجة كانت واحدة في كل مرة: استمرار الحرب، واتساع رقعة الدمار، وتزايد أعداد القتلى والنازحين والجوعى. وفي كل مرة كانت تلوح فيها فرصة لتخفيف معاناة المدنيين عبر هدنة إنسانية أو خطوة تمهد لتسوية سياسية، كانت العقبات تعود لتسد الطريق أمام أي تقدم حقيقي نحو السلام.
المشكلة لم تعد في غياب المبادرات، فالسودان ربما شهد خلال السنوات الماضية مبادرات أكثر من أي وقت مضى. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الإرادة السياسية اللازمة لإنهاء الحرب. فالحروب لا تتوقف بالشعارات ولا بالخطب الحماسية ولا بالرهان على استنزاف الخصوم، وإنما تتوقف عندما يقتنع القادة بأن حياة المواطنين أهم من حسابات المكاسب والخسائر العسكرية. وحتى الآن، لا يبدو أن هذا الاقتناع قد ترسخ لدى القيادة العسكرية التي ما زالت تتحدث بلغة الحسم العسكري رغم كل ما أثبتته الوقائع من استحالة تحقيق انتصار حاسم يعيد الاستقرار إلى البلاد.
لقد دفع السودانيون ثمناً يفوق الوصف. مدن تحولت إلى أنقاض، ومستشفيات خرجت عن الخدمة، ومدارس أغلقت أبوابها، وأسر كاملة وجدت نفسها بين النزوح واللجوء والجوع. وبينما يعيش المواطن هذه المأساة اليومية، يواصل أصحاب القرار إدارة الصراع وكأن الزمن متوقف عند حسابات المعارك والخرائط العسكرية. والحقيقة التي باتت واضحة أن استمرار الحرب لم يعد ينتج سوى المزيد من المآسي.
الأكثر إثارة للقلق أن الأصوات المتشددة المحيطة بالبرهان، وعلى رأسها تيارات إسلامية متحمسة لخيار الحرب، ما زالت تدفع باتجاه إطالة أمد القتال وتقديمه باعتباره الطريق الوحيد. هذه الأصوات لا تبدو منشغلة بمصير ملايين المدنيين بقدر انشغالها بحسابات النفوذ والسلطة ومستقبلها السياسي. وهكذا أصبح السودان رهينة لمعادلة خطيرة يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده.
التاريخ لا يتذكر عدد المعارك التي خاضها القادة، بل يتذكر عدد الأرواح التي أنقذوها، وعدد الحروب التي أوقفوها. ولذلك فإن الفرصة ما زالت قائمة أمام البرهان لتغيير مسار الأحداث واختيار طريق مختلف، طريق يضع مصلحة السودان فوق أي اعتبارات أخرى. أما إذا استمر إغلاق الأبواب أمام المبادرات السياسية والإنسانية، فإن لقب “معرقل السلام” لن يكون مجرد وصف سياسي عابر، بل حكماً تاريخياً قد يلازمه طويلاً.
فالسودانيون اليوم لا يريدون انتصار هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يريدون الانتصار على الجوع والخوف والنزوح والانهيار. يريدون نهاية للحرب، وعودة للحياة، ومستقبلاً لأبنائهم. وكل من يقف في طريق هذا الهدف، أياً كان موقعه أو شعاراته، سيتحمل أمام التاريخ مسؤولية إطالة واحدة من أكثر المآسي قسوة في تاريخ السودان الحديث.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.