وجبة الوالي لا تُصلح التعليم.. نقابات السلطة “عينها في الفيل وتطعن في ظله”!

حسن عبد الرضي

في الوقت الذي يعيش فيه التعليم السوداني واحدة من أسوأ أزماته في تاريخه، ويكابد المعلمون أوضاعاً معيشية بالغة القسوة، وتتعطل المدارس بسبب ضعف التمويل وانهيار البيئة التعليمية، يفاجأ الرأي العام بدعوات رسمية لتدشين “وجبة السيد والي ولاية الخرطوم” احتفاءً بأعمال كنترول وتصحيح الشهادة الثانوية.
وليس السؤال: هل يستحق المعلم وجبة؟ فالمعلم يستحق حياة كريمة، وراتباً عادلاً، وتأميناً صحياً، وبيئة عمل تحفظ كرامته. وإنما السؤال الحقيقي: هل أصبحت أزمة التعليم في السودان تختزل في وجبة؟
إن النقابات والاتحادات التي يُفترض أن تكون صوت المعلمين، وأن تحمل همومهم إلى أصحاب القرار، تبدو وكأنها انشغلت بالقشور وتركت جوهر القضية. فبدلاً من تقديم المبادرات لمعالجة تدني الأجور، أو المطالبة بإصلاح البيئة المدرسية، أو وضع حلول لاستقرار العام الدراسي، أو الدفاع عن حقوق المعلمين، نجدها تحتفي بالمناسبات البروتوكولية، وكأنها إنجازات تاريخية.
هذا هو المعنى الحقيقي للمثل السوداني: “عينك في الفيل وتطعن في ظله.” فالفيل هو الانهيار الشامل الذي أصاب التعليم، أما الظل فهو الاحتفاء بالفعاليات الشكلية التي لا تقدم حلاً واحداً لمعاناة المعلمين والطلاب.
إن المعلم السوداني لا يحتاج إلى خطابات الاحتفال، بل يحتاج إلى سياسات تعيد إليه كرامته. ولا يحتاج إلى صور تذكارية مع المسؤولين، بل إلى راتب يكفي أسرته، ومدرسة صالحة للتدريس، ونظام تعليمي مستقر يحترم رسالته.
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الأنشطة يعمق ثقافة الانصراف عن القضايا الحقيقية، ويصرف الجهد والاهتمام نحو مظاهر إعلامية لا تغير شيئاً من الواقع. فالنقابة الحقيقية تُقاس بما تنتزعه من حقوق لأعضائها، لا بعدد الدعوات الانصرافية التي تصدرها ولا بعدد المنصات الفارغة التي تعتليها.
لقد أصبح كثير من المعلمين يشعرون بأن بعض هذه الكيانات لم تعد تمثل همومهم، بل أصبحت أقرب إلى ترديد خطاب السلطة من مساءلتها، وإلى تجميل الواقع بدلاً من المطالبة بإصلاحه.
إن السودان اليوم بحاجة إلى حركة نقابية مستقلة، تجعل المعلم محور اهتمامها، وتطرح حلولاً عملية لأزمة التعليم، وتدافع عن الحقوق المهنية بلا خوف ولا مجاملة. فالأمم لا تُبنى بالاحتفالات، وإنما تُبنى بالمعلم. وإذا ضاع المعلم، ضاع التعليم، وإذا ضاع التعليم، ضاع الوطن كله.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المعلمون إجابته: متى تتوقف النقابات عن الطعن في ظل الفيل، وتبدأ في مواجهة الفيل نفسه؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.