فساد الإخوان المسلمين في السودان.. كيف تحوّلت الدولة إلى غنيمة؟

نورا عثمان

لم يكن الفساد في السودان خلال العقود الماضية مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من بنية سياسية واقتصادية متكاملة ارتبطت بسيطرة الحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين على مفاصل الدولة منذ انقلاب عام 1989. فخلال سنوات حكمهم الطويلة، جرى تفكيك مؤسسات الخدمة المدنية واستبدال معايير الكفاءة بمعايير الولاء التنظيمي، لتتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات تخدم مشروع الجماعة بدلاً من خدمة المواطنين.
لقد شهد السودانيون واحدة من أكبر عمليات التمكين السياسي والاقتصادي في تاريخ البلاد، حيث سيطرت شبكات مرتبطة بالإسلاميين على قطاعات واسعة من الاقتصاد والاستثمار والتجارة والمصارف والأراضي الحكومية. وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه أزمات اقتصادية متلاحقة وتراجعاً في الخدمات الأساسية، كانت مجموعات محدودة تحقق ثروات هائلة مستفيدة من النفوذ السياسي والحماية التنظيمية. وبدلاً من بناء اقتصاد وطني منتج، انتشرت المحسوبية والاحتكار، وأصبحت الفرص الاقتصادية مرتبطة بالانتماء إلى دوائر السلطة أكثر من ارتباطها بالكفاءة أو المنافسة العادلة.
ولم يتوقف الأمر عند الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى مؤسسات الدولة العدلية والرقابية التي أُضعفت بصورة ممنهجة، ما جعل محاسبة المتورطين في قضايا الفساد أمراً بالغ الصعوبة. كما أدى تسييس الخدمة المدنية إلى هجرة آلاف الكفاءات والخبرات الوطنية التي وجدت نفسها خارج مؤسسات الدولة بسبب سياسات الإقصاء والتمكين. وكانت النتيجة تراجعاً كبيراً في أداء المؤسسات العامة وانهياراً تدريجياً في الثقة بين المواطن والدولة.
اليوم، وبعد سنوات من سقوط نظام البشير، ما زالت آثار تلك المرحلة ماثلة في الاقتصاد والإدارة والبنية المؤسسية للدولة. فشبكات المصالح التي نشأت خلال عقود لم تختفِ بسهولة، بل ما زالت تلقي بظلالها على المشهد السياسي والاقتصادي. ولهذا فإن أي حديث جاد عن بناء دولة سودانية حديثة لا يمكن أن يتجاهل ضرورة مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة وتعزيز الشفافية وإخضاع جميع المؤسسات للمساءلة القانونية دون استثناء.
إن التجربة السودانية تقدم درساً واضحاً مفاده أن احتكار السلطة باسم الدين أو الأيديولوجيا لا يقود بالضرورة إلى الإصلاح أو النزاهة، بل قد يفتح الباب أمام أشكال أكثر تعقيداً من الفساد عندما تختلط السلطة السياسية بالمصالح التنظيمية. ولذلك فإن مستقبل السودان لن يُبنى بالشعارات، وإنما ببناء مؤسسات مستقلة وقوية تضمن العدالة والمحاسبة وتمنع تكرار التجارب التي جعلت الدولة رهينة لمصالح جماعات وأفراد على حساب الوطن والمواطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.