الجريدة هذا الصباح …
الثورة في ترس الشمال عندما قال كلمته بعد كل سنوات الحرب، لم يخنقه الدخان، ولم تخِفه السهام. وعندما قال رئيس وزراء حكومتها “لا”، فأصبحت لاءات الخرطوم أربعة.
أطياف
صباح محمد الحسن
30 يونيو
طيف أول:
الصوت لم يزل غضًّا،
وجبينها بارقٌ يضوي،
جاءت لتروي بهتافها ذاكرتنا المجدبة،
فمسحت عليها بكفّ لونه الأبيض،
فأورقت وأعشوشبت قصائدها… ثورة.
وتظلّ ديسمبر هي الشعلة التي تبدّد هذا الغسق وتمنح الناس أملاً لا يخبو.
والفلول كلما مرّت ذكرى للثورة تسأل أين هي الثورة وأين هم؟
ويجب أن نجيبهم
هي وهم في المكان الذي لم تستطيعوا أن تكونوا فيه، ولن تقدروا على بلوغه مهما حاولتم.
هم في موقع الوعي الذي لا يُشترى، وفي مساحة الشجاعة التي لا تُستعار، وفي أرضٍ لن تطأها أقدام من خانوا الشعب ودمروا وباعوا الوطن بثمنٍ بخس.
هم في الطريق الصحيح، طريقٌ بدأوه ولن يتراجعوا عنه حتى يبلغوا نهايته التي تستحقها تضحيات شعبنا.
كيف لا، وثورة ديسمبر ظلّت منارة السلمية؛ حتى عندما حاولتم النيل منها دمّرتم وطنًا بأكمله وقتلتم شعبه، لكنها بقيت حيّة، واقفة، شاهدة على أن الحق لا يموت مهما اشتدّ الظلام.
هم في مكان القرار عندما وقف ترس الشمال ليقول كلمته؛ ذلك السدّ الذي أعاد للوطن كرامته وعزّته، في يومٍ خضعت فيه حكومتكم وقادتها، فأكّدت الثورة أنها الحارسة الحامية للوطن، الحاضرة التي لا تغيب. بلا سلاح وبلا مسيرات أكّدت أنها لن تسمح لكرامة هذا الشعب أن تُذل، ترس لم يخنقه الدخان، ولم يخشَ السهام الباطشة .
تجدها ايضا في رفض رئيس وزراء الثورة عبد الله حمدوك، الذي قال “لا” لدولٍ إقليمية قدّمت له الدعوة لأنها تريد إعادة العسكر والفلول إلى المشهد من جديد، فكانت لاءه امتدادًا للاءات الخرطوم التاريخية، فأصبحت أربعة.
هي وهم في تلك الـ”لا” التي أعادت تعريف السيادة التي يتحدثون عنها، رفعت رأس الشعب عاليًا، وأكّدت أن الثورة لا تُباع في أسواق السياسة، ولا تُقايَض بإرضاء من يريد إعادة إنتاج الاستبداد بثوبٍ جديد. موقفٌ أكّد فيه سيادة الوطن والثورة حين رفض الاستجابة لضغوطٍ تريد تكبيل الشعب بقيود الخارج، وجدّد أن كرامة الناس في تحرير إرادتهم لا في أسرها.
هم الذين قالوا “لا للحرب” فهزموا خطاب الحرب بجبروته، بكل ما سُخّر له من أموال ودولارات تُسرق من خزينة الشعب. هم من محوا بممحاة الوعي عبارات “الجغم” و”البل”، وجعلوا الشعب كله الآن ينشد السلام ويرفع صوته عاليًا: لا للحرب.
خطاب الثورة والسلمية الذي انتشل الشعب من بركة الدم إلى براحات معاني ثقافة السلام؛ عندما نسفت أداة “لا للحرب” إمبراطورية “البلابسة”، وهزمت لغة الموت، وأعادت للناس صوتهم الذي حاولوا طمسه.
هم عندما ضجّت الأسافير بصوت الشارع وقالت: ما عدا الحركة الإسلامية وواجهاتها، فبدّدت عشمهم في العودة من جديد.
هم الذين شكّلوا المزاج الدولي ، وجعلوه أسيرًا لخطاب الثورة “لابد من استعادة الحكم المدني”، فتمسّك العالم بمبادئ الثورة وقال إنه لا يقبل الإسلاميين.
(أي كوزٍ ندوسه دوس).
لا حكم للعسكر ولا مجال لعودتهم (العسكر للثكنات) .
لا سبيل لعودة الدعم السريع للمشهد: (الجنجويد يتحلّ) .
إن أردت أن تعرف أين هم، فاقرأهم في صوت وقرار ثلاثين دولة اتفقت على كلمة واحدة
لا بدّ من حكومة مدنية بعد وقف الحرب.
وأين هم؟ ..في عقولكم التي عشعش فيها الخوف من الثورة، والرعب حتى من موكبٍ إسفيري، لأنكم تعلمون أن لحظة الشعب إذا جاءت لا تُرد، وأن الوعي الذي وُلد في ديسمبر لن يموت.
لكن في الحقيقة… أين أنتم ؟!
أين أنتم من العودة إلى الحكم؟
أين أنتم من الانتصار في الحرب التي بشّرتم بها ، أين هي مؤسساتكم التي زعمتم أنها ستنهض بالبلاد؟
أين هو مشروعكم الذي ادّعيتم أنه يحمل الخلاص ؟!
لقد انهارت حججكم، وتبعثرت أوهامكم، وسقطت مؤسساتكم التي كنتم تتغنّون بها، بينما بقيت الثورة واقفة، حيّة، تصنع حضورها في كل لحظة، وتعيد تعريف القوة الحقيقية بأنها قوة الوعي لا قوة السلاح، وقوة الشعب لا قوة الطغيان.
ففي الثلاثين من يونيو
التحية لكل الديسمبريين، بمختلف واجهاتهم، مقاومتهم ، أحزابهم، تياراتهم الثورية ،كياناتهم تحالفاتهم ،ومنصاتهم
أنتم الشعلة التي ظلّت تتقد في قلب هذا الوطن،
وأنتم الأمل الذي لم ينطفئ رغم العواصف،
وأنتم الصوت الذي بقي عاليًا حين خفتت الأصوات،
والطريق الذي لم يتراجع حين تاهت الطرق الأخرى.
ستظلّون رمزًا للسلمية، وللوعي، وللإرادة التي لا تُقهر.
والمجد والخلود للشهداء
لمطر، والمحجوب، وست النفور، وكشة، وعبد العظيم، وجميع شهداء الثورة.
طيف أخير
#لا_للحرب
عِشتَ يا شعبي المسالم… ديمة سالم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.