30 يونيو… ذاكرة الدم وعهد لا يسقط بالتقادم

أسماء محمد جمعة

ليست بعض التواريخ مجرد أرقامٍ على صفحات التقويم، بل جراح مفتوحة في ذاكرة الشعوب. ويظل الثلاثون من يونيو أحد تلك التواريخ التي تقف في الوجدان السوداني شاهدا على مواجهة لم تكن بين سلطة ومحتجين فحسب، بل بين إرادة شعبٍ حلم بحقه في الحرية والسلام والعدالة، وسلطة رأت في ذلك الحلم تهديدا لوجودها.

اليوم يستعيد السودانيون ذكرى أحد أهم أحداث ثورة ديسمبر، وأشد محاولات القضاء عليها قسوة، وهو فض اعتصام القيادة العامة. فقد وثق الثوار في جيشهم واعتصموا أمام مقره، وهم يظنون أنه سيكون حاميا لتطلعاتهم وسيبرئ نفسه من سيطرة الكيزان عليه، ولم يكن قتلهم بتلك الطريقة ضمن أسوأ توقعاتهم، لكنهم تفاجأوا بذلك الفعل وسط احتفالات من الكيزان الذين غمرتهم السعادة، واختار الجيش أن يثبت أنه ليس في صف الشعب.

لكنه لم ينجح في طي صفحة ثورة ديسمبر، بل فتح صفحات سوداء في الذاكرة الوطنية لن تطويها الأيام، وترك ذلك أثرا عميقا في الوعي الوطني، وأصبح رمزا للألم والمطالبة بالحقيقة والعدالة وعدم الإفلات من المساءلة.

وإحياء هذه الذكرى لا يأتي بوصفه مجرد رد فعل على مأساة، بل إعلانا بأن الخوف لا يستطيع أن يهزم شعبا قرر التمسك بحقه في مستقبل أفضل مهما كانت قوة السلطة الحاكمة.

ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال العدالة حاضرا بإلحاح. فدماء الضحايا ليست مجرد ذكرى عابرة، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية، لأن الأوطان لا تستقر إذا بقيت جراحها بلا إنصاف، ولا تبنى الثقة بين الدولة ومواطنيها إذا غابت المحاسبة وسيادة القانون.

ولم يكن فض الاعتصام بتلك الدموية معزول عن سياق أطول في التاريخ السياسي السوداني، حيث تعاقبت الانقلابات العسكرية على فترات التحول الديمقراطي، لتقطع مسارات كان يعول عليها في بناء دولةٍ مدنية مستقرة. ومع كل انقلاب، كان السودانيون يجدون أنفسهم أمام فرصة ضائعة، وأحلامٍ مؤجلة، وثمنٍ جديد يدفعه المواطنون من دمائهم وأمنهم واستقرارهم ومستقبلهم، والاسوأ من ذلك هو ان المؤسسة العسكرية المسماة باسمهم المنوط بها حماية تلك الفرص والحلام هي التي تغتال احلامهم مع سبق الاصرار والترصد.

ثم جاءت الحرب كمحاولة أكبر ضد الثورة أشد قسوة وأكثر شمولا لتضيف فصلا آخر من الأحداث، امتلأ بالنزوح والقتل والدمار والانقسام والانتقام، يعمل فيه الجيش والكيزان معا وهم ياملون في كل عام ان يختفي احياء ذكرى أحداث ديسمبر ولكنهم يتفاجئون بانها تزداد ظهورا وكثافة واتساعا.

اليوم وقد أكملت الحرب ثلاثة سنوات وقطعت شهورا نحو السنة الرابعة جاء الاحتفال بالثلاثين من يونيو يحمل نفس ذخم الذكرى الاولى بالرغم من تباعد المسافات وتفرق الناس بين عشرات الدول، الا ان صوت الذكرى وصل اليهم واخترق مسامعهم وأصابهم بنوبة الخوف نفسها.

ورغم كل ما حملته السنوات الماضية من خسارات وخيبات، فإن ذكرى الثلاثين من يونيو لا تختزل الحزن وحده، بل تستدعي كذلك معنى الوفاء. الوفاء لمن رحلوا في كل تلك الجرائم وهم يحلمون بوطن يتسع لجميع أبنائه، ووفاء لفكرةٍ آمن بها ملايين السودانيين، مفادها أن الحرية ليست منحة، وأن العدالة ليست ترفا، وأن السلام هو الطريق الوحيد لبناء دولة تستحقها الأجيال القادمة.

إن استذكار هذه المناسبة ليس دعوة لاستحضار الأحقاد، وإنما لتثبيت الذاكرة الوطنية حتى لا تتكرر المآسي، وللتأكيد أن الشعوب التي تحفظ تاريخها تكون أقدر على حماية مستقبلها.

فالأمم لا تتقدم بالنسيان، وإنما بالتعلم من أخطائها، وترسيخ المؤسسات التي تمنع عودة الاستبداد والعنف.

وسيبقى الثلاثون من يونيو علامة فارقة في التاريخ السوداني؛ ويوما يذكر بحجم التضحيات التي قدمت، وبأن الكرامة الإنسانية لا تقاس بميزان القوة، وإنما بقدرة الشعوب على الصمود والتمسك بحقها في الحرية والعدالة والسلام.

وقد تتعثر المسيرة، وقد يطول الطريق، لكن الأفكار التي تتجذر في ضمير الشعوب لا تموت، والأوطان التي يبنى مستقبلها على إرادة مواطنيها تظل قادرة، مهما اشتدت المحن، على النهوض من جديد.

ولن تكون ثورة ديسمبر، بما قدمته من تضحيات جسام، مجرد محطة في التاريخ، بل مسارا يتواصل ما دامت هناك حقوق تنتظر الإنصاف، وأحلام لم تكتمل، وشعب لا يخشى دفع ثمن الحرية والكرامة.

ولعلها تكون الثورة الأخيرة فيعود العسكر للثكنات حماة للاحلام وليس قاتلة، ويصبح الدستور والقانون الإطار الذي يحتكم إليه الجميع، فلا يكون التغيير إلا عبر الإرادة الشعبية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.