لا صوت يعلو فوق السلام.. لماذا تحتاج ثورة ديسمبر إلى استعادة وحدتها؟

تيسير المبارك

في الوقت الذي تتسع فيه رقعة الحرب وتتعاظم معاناة السودانيين في الداخل ومخيمات اللجوء والنزوح، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة الروح التي صنعت ثورة ديسمبر المجيدة، تلك الروح التي وحدت ملايين السودانيين حول أهداف الحرية والسلام والعدالة، وكسرت حواجز الانقسام لصالح مشروع وطني جامع. فالحرب التي تعصف بالبلاد اليوم لا تهدد الأرواح والممتلكات فحسب، بل تهدد أيضاً الأحلام التي خرج من أجلها الثوار إلى الشوارع مطالبين بدولة مدنية ديمقراطية تسع الجميع.
لقد أثبتت التجربة أن القوى الثورية، رغم اختلاف رؤاها وتوجهاتها، تمتلك قواسم مشتركة أكبر بكثير من نقاط الخلاف. فهذه القوى اجتمعت ذات يوم حول إسقاط الاستبداد ورفض الحكم الشمولي، وهي مطالبة اليوم بالاجتماع مجدداً حول قضية أكثر إلحاحاً وخطورة، تتمثل في إنهاء الحرب وإنقاذ السودان من الانهيار. إن استمرار حالة التشتت والانقسام بين المكونات المدنية والثورية لا يخدم سوى الأطراف المستفيدة من استمرار الصراع، بينما يدفع المواطن البسيط الثمن من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.
ومن هنا تبرز أهمية تفعيل آليات الثورة التي أثبتت قدرتها على الحشد والتنظيم والتواصل مع الجماهير. فاللجان الشعبية والأجسام المهنية والتنظيمات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني التي لعبت دوراً محورياً في ثورة ديسمبر يمكن أن تستعيد دورها في بناء رأي عام ضاغط من أجل السلام ورفض الحرب. كما أن إعادة تنشيط أدوات العمل الجماهيري السلمي من شأنها أن تمنح المواطنين منصة للتعبير عن تطلعاتهم بعيداً عن الاستقطاب العسكري والسياسي الذي يهيمن على المشهد الحالي.
إن استكمال أهداف الثورة لا يمكن أن يتحقق في ظل أزيز الرصاص واتساع دائرة الدمار. فالديمقراطية تحتاج إلى بيئة مستقرة، والعدالة تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، والتنمية تحتاج إلى السلام. ولذلك فإن إنهاء الحرب ليس هدفاً منفصلاً عن مشروع الثورة، بل هو شرط أساسي لإنجاز بقية الاستحقاقات الوطنية التي ناضل من أجلها السودانيون لسنوات طويلة.
كما أن القوى الثورية مطالبة بتجاوز الخلافات الثانوية وتغليب المصلحة الوطنية العليا. فالسودان يمر بمرحلة استثنائية تتطلب خطاباً موحداً ورؤية مشتركة تضع إنهاء الحرب في مقدمة الأولويات، وتعمل على بناء أوسع جبهة مدنية داعمة للسلام والتحول الديمقراطي. ولن يكون ذلك ممكناً إلا من خلال الحوار والتنسيق والتوافق حول الحد الأدنى من الأهداف الوطنية التي تجمع ولا تفرق.
لقد خرج السودانيون في ديسمبر طلباً للحرية والسلام والعدالة، ولم يخرجوا من أجل أن يروا بلادهم تغرق في حرب طويلة الأمد تهدد وجود الدولة نفسها. واليوم، وبعد سنوات من التضحيات، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة إحياء مشروع الثورة واستعادة وحدتها المعنوية والسياسية، ليس من أجل الماضي، بل من أجل المستقبل الذي يستحقه ملايين السودانيين.
إن الطريق إلى استكمال الثورة يبدأ بوقف الحرب، والطريق إلى وقف الحرب يمر عبر وحدة القوى المدنية والثورية وتفعيل أدوات العمل السلمي والجماهيري. فحين تتوحد إرادة السودانيين حول السلام والدولة المدنية، يصبح من الممكن استعادة مسار ديسمبر وتحويل أحلام الثورة إلى واقع يضع البلاد على طريق الاستقرار والديمقراطية والتنمية المستدامة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.