لم تعد السيادة الوطنية في الفكر الدستوري والقانوني الحديث مجرد خطوط ترسم على الخرائط، أو شعارات تُرفع في المناسبات الرسمية، وإنما أصبحت معياراً يقاس بقدرة الدولة على حماية أرضها وصون حياة مواطنيها وكشف الحقيقة لهم. فالدولة التي تعجز عن حماية حدودها تواجه أزمة أمن، والدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها تواجه أزمة حكم، أما الدولة التي تعجز عن أن تروي لشعبها حقيقة ما جرى فوق ترابها، فإنها تواجه أزمة تمس جوهر السيادة نفسها.
ومن هذا المنظور، تبدو مجزرة مواقع التعدين الأهلي عن الذهب في أقصى شمال السودان، التي وقعت يومي السادس عشر والسابع عشر من يونيو 2026، أكثر من مجرد حادثة حدودية أو عملية عسكرية محل نزاع. فهي تمثل اختباراً بالغ القسوة لفكرة السيادة الوطنية، ولقدرة الدولة السودانية على الاضطلاع بأهم وظائفها الدستورية والأخلاقية، وهي حماية مواطنيها والدفاع عن سلامة إقليمها. فالروايات المتداولة تتحدث عن سقوط أعداد كبيرة من المعدنين السودانيين المدنيين بين قتيل وجريح ومفقود في مناطق وادي الأنصاري وجبل العقيدات والجبلين الأحمر والأبيض، داخل العمق السوداني، في ظروف لا تزال تكتنفها الضبابية، بينما يقابلها صمت رسمي يثير من التساؤلات أكثر مما يقدم من الإجابات.
وليس من مهمة التحليل القانوني أن يصدر أحكاماً قبل اكتمال التحقيق، لكنه معني بطرح الأسئلة التي يفرضها القانون كلما أُريقت دماء المدنيين داخل حدود دولة ذات سيادة، وكلما غابت الحقيقة عن أصحاب الحق الأول في معرفتها، وهم المواطنون.
فإذا ثبت، من خلال تحقيق مستقل ومحايد، أن الهجوم وقع داخل الأراضي السودانية بواسطة قوات نظامية أجنبية، فإن الواقعة تتجاوز حدود النزاع العسكري لتصبح قضية تمس أحد أكثر المبادئ رسوخاً في النظام القانوني الدولي، وهو مبدأ سيادة الدول وسلامة أراضيها. فهذا المبدأ، الذي كرسته المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، لا يحظر فقط احتلال أراضي الدول، بل يحظر كذلك استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، باعتباره حجر الأساس الذي يقوم عليه النظام الدولي المعاصر.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المواقع المستهدفة تقع جنوب خط عرض (22) شمالاً، وهو الخط المعتمد دولياً فاصلاً سياسياً بين السودان ومصر، وتتبع إدارياً لولايتي البحر الأحمر ونهر النيل. وإذا صحت هذه الوقائع، فإن أي توغل بري أو غارات جوية داخل هذا النطاق لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد حادث حدودي، وإنما باعتبارها فعلاً يثير المسؤولية الدولية، ويستوجب تحقيقاً قانونياً يحدد الوقائع والمسؤوليات .
وفي المقابل، ظهرت تفسيرات تحاول ربط الحادثة بالتداخلات الحدودية أو بالنزاعات التاريخية حول مناطق مثل جبل عيقاد أو مثلث حلايب وشلاتين. غير أن القانون الدولي، حتى في ظل وجود نزاعات حدودية قائمة، لا يجيز لأي دولة أن تلجأ إلى القوة العسكرية ضد تجمعات مدنية لفرض أمر واقع أو لحسم خلاف إقليمي. فالنزاعات الحدودية تعالج بالمفاوضات، أو التحكيم، أو القضاء الدولي، لا بقصف المدنيين ولا بتحويل المناطق الحدودية إلى ساحات مفتوحة للعنف.
وهنا تبرز القضية الأهم، وهي أن السيادة ليست مجرد حق للدولة في الدفاع عن حدودها، وإنما هي مسؤولية قانونية وأخلاقية تجاه المواطنين الذين يعيشون داخل تلك الحدود. وقد تطور هذا المفهوم في الفقه الدولي الحديث حتى أصبحت السيادة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدولة على الوفاء بواجباتها الأساسية، وفي مقدمتها حماية السكان، وصيانة الإقليم، وضمان احترام القانون.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح لا يتعلق فقط بمن نفذ الهجوم، وإنما يتعلق أيضاً بموقف الدولة السودانية نفسها. فأين الرواية الرسمية؟ وأين نتائج التحقيق؟ وأين البيان الذي يوضح للشعب حقيقة ما جرى؟ إن الصمت في القضايا التي تمس السيادة لا يقل خطورة عن الانتهاك ذاته، لأنه يفتح الباب للشائعات، ويقوض الثقة العامة، ويجعل الحقيقة رهينة للروايات المتضاربة.
ولا يجوز التسرع في وصف هذا الصمت بأنه تواطؤ، لأن ذلك يظل رهيناً بما تسفر عنه الوقائع. غير أن غياب الشفافية، وتأخر تمليك المعلومات للرأي العام، يثيران تساؤلات مشروعة حول مدى قيام السلطة بواجبها في حماية المواطنين والدفاع عن السيادة الوطنية. فالشرعية السياسية في جميع الاحوال لا تستمد قوتها من السيطرة على مؤسسات الدولة فحسب، بل من قدرتها على أداء الوظيفة التي قامت الدولة من أجلها، وهي حماية الإنسان والأرض معاً.
وفي هذا السياق، يبرز مبدأ مسؤولية الحماية باعتباره من المبادئ التي تؤكد أن حماية السكان ليست خياراً سياسياً، وإنما واجب أصيل على عاتق الدولة. فإن هي قصرت في حماية مواطنيها، أو عجزت عن كشف الحقيقة بشأن الاعتداءات التي تقع عليهم، فإنها تعرض نفسها لانتقادات قانونية وأخلاقية، حتى وإن اختلفت الآراء حول مدى انطباق هذا المبدأ في كل حالة على حدة.
ولعل أكثر ما يضاعف خطورة هذه الحادثة هو أنها وقعت في منطقة أصبحت، خلال سنوات الحرب، ملاذاً اقتصادياً لآلاف السودانيين الذين دفعتهم ظروف النزاع إلى التعدين الأهلي بحثاً عن مصدر رزق يحفظ لهم ولأسرهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة. ومن ثم، فإن أي اعتداء على هؤلاء المدنيين لا يمس حياتهم وحدها، بل يمس حقهم في العمل، والعيش، والأمن، وهي حقوق تحميها قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما أن القانون الدولي الإنساني، إذا ثبت ارتباط الواقعة بنزاع مسلح، يفرض حماية خاصة للمدنيين، ويُلزم أطراف النزاع باحترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، وهي مبادئ سبق تناولها بتفصيل في مقال سابق، ويكفي التذكير بها هنا باعتبارها تشكل جزءاً من الإطار القانوني العام للقضية.
غير أن المدخل الحقيقي لأي عدالة لا يبدأ بإصدار الأحكام، بل يبدأ بكشف الحقيقة. ولهذا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من السجالات السياسية، وإنما إلى لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، تتمتع بالكفاءة الفنية والاستقلال الكامل، وتستعين بأحدث وسائل التحقيق الجنائي والرقمي. فلم تعد الحقيقة في مثل هذه القضايا رهينة للشهادات وحدها، بل أصبحت الأقمار الصناعية، وتحليل الصور، وفحص بيانات الهواتف، واستخراج الميتاداتا، ودراسة بقايا المقذوفات وأرقامها التسلسلية، وسائل علمية قادرة على إعادة بناء مسرح الأحداث بدقة عالية، وتحديد مكان الهجوم، ونوع السلاح المستخدم، والجهة التي أطلقته، بما يضع حداً للروايات المتناقضة ويؤسس لأي مساءلة قانونية لاحقة .
وإلى جانب التحقيق الوطني، ينبغي تفعيل الآليات الإقليمية والدولية المتاحة. فاللجوء إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي، وإلى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، يمكن أن يسهم في تشكيل بعثات مستقلة لتقصي الحقائق، كما أن النزاعات الحدودية المزمنة، بما في ذلك ما يتعلق بجبل عيقاد أو مثلث حلايب، لا ينبغي أن تبقى رهينة موازين القوة، بل ينبغي أن تجد طريقها، في الوقت المناسب، إلى محكمة العدل الدولية أو غيرها من وسائل التسوية السلمية، لأن الحدود لا تُرسم بالرصاص، وإنما تُحسم بالقانون.
إن أخطر ما كشفت عنه مجزرة مناجم الشمال، إذا ثبتت الوقائع المتداولة بشأنها، ليس عدد الضحايا وحده، بل هشاشة العلاقة بين الدولة والسيادة والحقيقة. فالسيادة التي تعجز عن حماية الإنسان تتحول إلى مفهوم أجوف، والصمت الذي يحجب الحقيقة يضاعف آلام الضحايا، ويقوض ثقة المواطنين في مؤسساتهم، ويمنح الانتهاكات فرصة لأن تتكرر.
إن دماء المعدنين السودانيين، أياً تكن نتائج التحقيق النهائي، تستحق أكثر من بيانات مقتضبة أو سجالات إعلامية. بل إنها تستحق حقيقة كاملة، وتحقيقاً مستقلاً، وعدالة لا تميز بين قوي وضعيف، وحلاً قانونياً دائماً للنزاعات الحدودية يمنع تكرار المأساة. فالدول لا تُقاس بمساحة أراضيها، وإنما بقدرتها على حماية من يعيشون فوقها، والسيادة ليست امتيازاً تتباهى به الحكومات، بل عهدٌ بينها وبين شعبها. وحين يصبح دم المواطن هو آخر ما يُدافع عنه، فإن أول ما يسقط ليس الضحية، بل السيادة نفسها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.