هل انتهى دور مناوي في معادلة بورتسودان؟

سيف الدولة كمال

منذ اندلاع الحرب، تشكلت تحالفات فرضتها الضرورة العسكرية أكثر مما صنعتها القناعات السياسية. وفي مقدمة هذه التحالفات جاء التقارب بين قيادة الجيش والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، وعلى رأسها حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي. لكن ما نشهده اليوم، في تقديري، يشير إلى أن هذه الشراكة تدخل مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل معسكر السلطة في بورتسودان، وأقصاء قادم يلوح في أفق التحولات السياسية.
عندما احتاجت المؤسسة العسكرية إلى الحركات المسلحة، فُتحت أمامها أبواب القرار، ومنحت مواقع سياسية وعسكرية بارزة، وقدمت بوصفها شريكاً في “معركة الدولة”. غير أن التحولات الأخيرة توحي بأن الأولوية لم تعد لتوسيع دائرة الشركاء، وإنما لتركيز السلطة في يد القيادة العسكرية، مع تنامي نفوذ التيار الإسلامي والقوى الأكثر التصاقاً بالمؤسسة العسكرية. وفي مثل هذا المناخ، يصبح وجود الحلفاء السابقين موضع مراجعة، لا سيما إذا بات يُنظر إليهم باعتبارهم منافسين على النفوذ أكثر من كونهم شركاء.
ولا تبدو المؤشرات مطمئنة بالنسبة إلى مني أركو مناوي. فتراجع حضوره في بعض الملفات، وتزايد الحديث عن إعادة توزيع مراكز القوة داخل معسكر بورتسودان، كلها تطورات توحي بأن الرجل يواجه مرحلة سياسية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود قرار معلن بإبعاده، لكنه يعكس، في رأيي، واقعاً جديداً تتغير فيه موازين القوة بصورة متسارعة.
السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كان التحالف مع مناوي شراكة استراتيجية، أم مجرد تحالف فرضته ظروف الحرب؟ إذا كان الاحتمال الثاني هو الأقرب، فإن انتهاء الحاجة العسكرية بالشكل الذي كانت عليه في بداية الصراع قد يدفع بعض مراكز القرار إلى إعادة النظر في موقع الحركات المسلحة داخل السلطة، بما فيها حركة مناوي.
المفارقة أن القوى التي قدمت نفسها حليفاً ثابتاً للجيش قد تجد نفسها خارج دائرة التأثير إذا تعارض وجودها مع مشروع احتكار القرار. فالتجارب السياسية السودانية كثيراً ما أظهرت أن التحالفات المؤقتة تنتهي بمجرد تغير ميزان المصالح، وأن من يُستدعى في لحظة الأزمة قد يصبح عبئاً في لحظة ترتيب السلطة.

إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج سياسة الإقصاء، أياً كان المستهدف بها. فبناء دولة مستقرة لا يتحقق عبر استبدال شريك بآخر، أو إعادة توزيع النفوذ بين مجموعات متحالفة، وإنما بإقامة نظام سياسي يقوم على المؤسسات، وسيادة القانون، والتوافق الوطني، بعيداً عن منطق التحالفات العسكرية المؤقتة.

وإذا كانت هناك بالفعل ترتيبات لإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل معسكر بورتسودان، فإن السؤال الأهم لن يكون: من سيخرج من المشهد؟ بل: هل يستطيع السودان الخروج من دائرة الصراع على السلطة إلى فضاء الدولة التي تتسع للجميع؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد مستقبل البلاد، وليس مجرد تبدل مواقع اللاعبين داخل السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.