في السياسة، لا توجد تحالفات دائمة، وإنما مصالح تتبدل مع تبدل موازين القوة. ولعل المشهد السوداني اليوم يقدم نموذجًا صارخًا لهذه القاعدة، في ظل تصاعد التكهنات بشأن مستقبل العلاقة بين قيادة الجيش والحركات المسلحة التي وقفت إلى جانبه خلال مراحل مختلفة من الحرب.
لقد شكلت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا أحد أبرز حلفاء المؤسسة العسكرية في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية خلال العامين الماضيين. وأسهمت، بدرجات متفاوتة، في تثبيت مواقع الجيش في عدد من الجبهات، كما دفعت بكوادرها ومقاتليها إلى ساحات القتال باعتبارها شريكًا في معادلة السلطة والمرحلة الانتقالية.
لكن مع تغير موازين القوى، بدأت تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت تلك الشراكة لا تزال قائمة بالزخم نفسه، أم أنها دخلت مرحلة إعادة التقييم. ويستند هذا التساؤل إلى جملة من المؤشرات التي يقرأها بعض المحللين باعتبارها تعكس رغبة في إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة، مع منح المؤسسة العسكرية دورًا أكثر مركزية في إدارة المرحلة المقبلة.
ومن وجهة نظر منتقدين، فإن أي مسار ينتهي إلى تقليص حضور الحركات المسلحة في مراكز اتخاذ القرار أو إعادة تعريف أدوارها بعيدًا عن الشراكة السياسية والعسكرية، قد يفتح الباب أمام توترات جديدة داخل المعسكر الذي ظل متماسكًا نسبيًا خلال الحرب. ويرى هؤلاء أن استبعاد الحلفاء بعد انتهاء دورهم الميداني قد يخلق أزمة ثقة يصعب تجاوزها، ليس فقط مع الحركات المسلحة، وإنما مع بقية القوى التي بنت رهاناتها على تفاهمات المرحلة السابقة.
في المقابل، قد ترى القيادة العسكرية أن إعادة تنظيم العلاقة مع الحركات المسلحة تندرج ضمن متطلبات بناء مؤسسات دولة أكثر تماسكًا، أو تنفيذ ترتيبات أمنية متفق عليها، وهي قراءة تختلف عن اتهامات الإقصاء التي يطرحها بعض الخصوم السياسيين. وبين هذين التفسيرين، يبقى الحكم النهائي مرهونًا بالقرارات التي ستصدر وبكيفية إشراك مختلف الأطراف في أي ترتيبات جديدة.
المشكلة لا تكمن في إعادة هيكلة المؤسسات إذا كانت جزءًا من اتفاق سياسي شامل، وإنما في أن تتم هذه الخطوات بصورة أحادية أو دون توافق واسع. فالسودان دفع ثمنًا باهظًا بسبب انهيار الثقة بين شركاء الأمس، وأي خطوة تُفهم على أنها إقصاء أو إعادة توزيع للسلطة خارج إطار التوافق قد تعيد إنتاج أسباب الصراع بدلاً من معالجتها.
إن الحركات المسلحة لم تكن مجرد قوة عسكرية على الأرض، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية نشأت بعد اتفاق جوبا. وأي تغيير في موقعها داخل هذه المعادلة يحتاج إلى حوار واضح، وضمانات متبادلة، ورؤية وطنية تتجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة. أما إذا تحولت التحالفات إلى أدوات مؤقتة تُستخدم في زمن الحرب ثم يُستغنى عنها عند تغير الظروف، فإن الرسالة التي ستصل إلى بقية الفاعلين ستكون أن التحالفات في السودان قصيرة العمر، وأن ميزان القوة هو المرجعية الوحيدة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتجه البلاد نحو إعادة صياغة شراكة جديدة بين المؤسسة العسكرية وحلفائها، أم نحو مرحلة من إعادة التموضع قد تُفسَّر لدى البعض باعتبارها إقصاءً لحلفاء الأمس؟ الإجابة لن تحدد فقط مستقبل العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة، بل قد ترسم أيضًا ملامح المرحلة السياسية المقبلة في السودان، بكل ما تحمله من فرص وتحديات.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.