بات في حكم المؤكد، وفق مصادر مطلعة وقراءات محللين سياسيين، أن مؤشرات التوتر داخل التحالف العسكري والسياسي الداعم للجيش السوداني تتزايد، على خلفية الجدل الذي أثارته الوثيقة السياسية المسربة من مكتب رئيس مجلس السيادة في بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في الأسبوع الماضي، وما تبعها من ردود فعل داخل أوساط الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، ولا سيما القوات المشتركة.
محلل: الوثيقة مثّلت نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش وعدد من الحركات المسلحة، إذ خلقت حالة من القلق المتزايد بشأن مستقبل الشراكة السياسية والعسكرية التي نشأت خلال سنوات الحرب.
ويرى المحلل السياسي د. عبدالكريم الضوي أن الوثيقة مثّلت نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش وعدد من الحركات المسلحة، إذ خلقت حالة من القلق المتزايد بشأن مستقبل الشراكة السياسية والعسكرية التي نشأت خلال سنوات الحرب. وقال الضوي لـ«عين الحقيقة» إن مضامين الوثيقة دفعت قيادات الحركات المسلحة، لا سيما مني أركو مناوي، إلى الاعتقاد بوجود توجهات لإعادة ترتيب موازين القوى خلال المرحلة المقبلة، بما قد يؤدي إلى تقليص الدور السياسي والعسكري للحركات الموقعة على اتفاق جوبا، الأمر الذي ألقى بظلاله على مستوى الثقة بين الحلفاء.
وبحسب قائد ميداني من القوات المشتركة تحدث لـ«عين الحقيقة»، فإن حالة من الحذر وفقدان الثقة باتت تسود داخل القوات المشتركة، خاصة لدى القيادات العسكرية لحركة وجيش تحرير السودان بقيادة مناوي، في ظل مخاوف متزايدة من اتساع فجوة الثقة مع قائد الجيش والإسلاميين، خاصة بعد تصاعد الجدل السياسي والإعلامي الذي أعقب تسريب الوثيقة.لاوأضاف المصدر العسكري أن عددًا من قيادات القوات المشتركة ينظر بقلق إلى الخطاب الإعلامي المتداول عبر المنصات، معتبرًا أن الانتقادات المتكررة الموجهة للحركات المسلحة قد تترك آثارًا سلبية على العلاقة بين أطراف التحالف، كما قد تنعكس على الروح المعنوية للمقاتلين في محاور القتال.
وأشار المصدر إلى وجود اتهامات متبادلة بين أطراف مختلفة بشأن مسؤولية بعض المنصات الإعلامية والكيانات الاجتماعية عن نشر خطاب يتضمن أوصافًا وعبارات عدائية وعنصرية تقلل من شأن تضحيات القوات المشتركة وحواضنها الاجتماعية.لاويعتقد د. الضوي أن الأزمة لم تعد محصورة في الإطار السياسي، وإنما امتدت إلى طبيعة العلاقة العسكرية بين الجيش والقوات المشتركة، موضحًا أن استمرار السجال الإعلامي قد يؤدي إلى تعميق الشكوك المتبادلة وإضعاف الثقة داخل التحالف، في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية مستمرة على أكثر من جبهة.
أفاد قائد ميداني بأن قيادة حركة جيش تحرير السودان، بقيادة مني أركو مناوي، أصبحت أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات قد توحي بتراجع موقع القوات المشتركة داخل التحالف..
وفي ضوء ما سبق، أفاد قائد ميداني بأن قيادة حركة جيش تحرير السودان، بقيادة مني أركو مناوي، أصبحت أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات قد توحي بتراجع موقع القوات المشتركة داخل التحالف، مشيرًا إلى أن الحركة تنظر إلى نفسها باعتبارها صاحبة الثقل العسكري الأكبر داخل هذه القوات، الأمر الذي يجعلها أكثر اهتمامًا بمستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية.
وأضاف المصدر أن مناوي وعددًا من القيادات الميدانية يعتقدون أن استمرار الخلافات، من دون معالجات سياسية واضحة، قد يؤدي إلى اتساع التباعد بين مكونات التحالف، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على مستوى التنسيق العسكري في ميادين القتال.
وكشف القائد الميداني أن مناوي أصدر، خلال الشهر الماضي، توجيهات بتحرك قوة من قواته الشبابية المقاتلة نحو مدينة بارا للمساهمة في تخفيف الضغط عن وحدات الجيش في ولاية شمال كردفان، إلا أن القيادات الميدانية، بحسب المصدر، أبدت رفضها تنفيذ التعليمات دون مشاركة الجيش وكتائب الحركة الإسلامية، في خطوة اعتبرها مؤشرًا خطيرًا على تنامي النقاشات الداخلية بشأن توزيع الأدوار والأعباء العسكرية بين الجيش وكتائب الحركة الإسلامية.
ويرى قيادي في حركة جيش تحرير السودان، فضل عدم الكشف عن هويته، لـ«عين الحقيقة» أن هذه الواقعة تعكس تزايد الغبن والاحتقان داخل القوات المشتركة تجاه طبيعة المهام القتالية الموكلة إليها، في ظل مطالبات متزايدة بأن تكون العمليات العسكرية قائمة على مشاركة متوازنة بين جميع قوات معسكر بورتسودان المتحالفة في ما يُسمى بـ«معركة الكرامة».
وفي قراءته للمشهد، يؤكد المحلل الضوي أن مكونات اتفاق جوبا لا تمثل كتلة سياسية متجانسة، وإنما تتباين مواقفها وفقًا لحسابات كل حركة ومصالحها السياسية والعسكرية.
ويرى أن بعض الفصائل ما تزال تحافظ على مستوى مرتفع من التنسيق، مثل جبريل إبراهيم ومصطفى طمبور، مع قيادة الجيش بسبب ضعفها وهشاشتها، بينما تبدي حركة جيش تحرير السودان، بقيادة مني أركو مناوي، قدرًا أكبر من التحفظ تجاه التطورات السياسية، لا سيما الأخيرة منها، وهو ما يجعل من الصعب الحديث عن موقف موحد داخل الحركات المسلحة. ويضيف أن استمرار هذا التباين قد يمنح قيادة الجيش هامشًا لإدارة علاقاتها مع كل فصيل بصورة منفصلة، لكنه، في المقابل، قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل معسكر الحلفاء إذا لم تُتخذ خطوات جادة لمعالجة أسباب تراجع الثقة.
صحفية: التحدي الأكبر الذي يواجه معسكر بورتسودان لا يكمن في إدارة المعارك العسكرية فحسب، وإنما في الحفاظ على تماسك التحالفات التي تشكلت خلال الحرب.
من جهتهم، يرى مراقبون أن مستقبل العلاقة بين الجيش والقوات المشتركة سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على احتواء تداعيات الأزمة السياسية وإعادة بناء الثقة عبر تفاهمات واضحة تحدد طبيعة الشراكة السياسية والعسكرية خلال المرحلة المقبلة.
كما يشير عدد من المحللين إلى أن الأزمة الراهنة لا ترتبط بالوثيقة المسربة فحسب، وإنما تعكس إعادة تقييم أوسع للتحالفات التي أفرزتها الحرب، في ظل اختلاف أولويات الأطراف المشاركة فيها، وتزايد التساؤلات بشأن مستقبل السلطة وترتيبات المرحلة الانتقالية.
وقالت الكاتبة الصحفية نورا عثمان لـ«عين الحقيقة» إن التحدي الأكبر الذي يواجه معسكر بورتسودان لا يكمن في إدارة المعارك العسكرية فحسب، وإنما في الحفاظ على تماسك التحالفات التي تشكلت خلال الحرب. وأضافت أن أي تصاعد في الخلافات السياسية أو الإعلامية بين مكونات هذا التحالف قد ينعكس بصورة مباشرة على التنسيق الميداني، ويؤثر في قدرة هذه الأطراف على العمل وفق رؤية موحدة.
ويعكس الأمر الواقع أن استمرار حالة الحذر وانعدام الثقة، إذا لم تُقابل بمبادرات سياسية جادة، قد ينعكس على مجمل المشهدين السياسي والعسكري، ويفتح الباب أمام إعادة رسم التحالفات وموازين القوى داخل معسكر بورتسودان الذي يسيطر عليه الإسلاميون، في وقت لا تزال فيه الحرب تلقي بظلالها على مستقبل العملية السياسية في السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.