خيارات ضيقة.. مأزق “سلطة بورتسودان” بين الاتهامات الأمريكية بالأسلحة الكيميائية وظلال “كتائب الظل”
تقرير ـ عين الحقيقة
تواجه حكومة بورتسودان المنعطف الدبلوماسي والأمني الأخطر منذ اندلاع حرب أبريل، عقب انتقال المواجهة مع المجتمع الدولي من مربعات العقوبات السياسية والاقتصادية التقليدية، إلى دائرة الامتثال الدولي الصارم مع توجيه اتهامات أمريكية مباشرة وموثقة فنيًا باستخدام “أسلحة كيميائية” في معارك الخرطوم.
هذا التطور يضع السلطة القائمة في مواجهة مأزق ثلاثي الأبعاد، حيث يتشابك فيه التحقيق الدولي الصارم، بالواقع الميداني المعقد على الأرض، المتمثل في اتهامات مؤكدة لـ “كتيبة البراء بن مالك” الإسلامية -التي تقاتل إلى جانب الجيش- بحيازة واستخدام تلك المواد السامة.
و جاء الإعلان الأمريكي الرسمي ليزيح الستار عن تقييمات استخبارية وفنية امتدت على مدار العامين الماضيين. وخلال أعمال الدورة (112) للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، قادت السفيرة الأمريكية نيكول شامبين هجومًا دبلوماسيًا عالي النبرة ضد سلطة بورتسودان بناءً على معطيات محددة.
أكدت واشنطن رسميًا استخدام غاز الكلور كسلاح كيميائي في معارك عام 2024 فيما، كشفت التقييمات الفنية الأمريكية المستقلة أن السودان ظل في حالة “عدم امتثال” للاتفاقية الدولية خلال عام 2025. و طالبت واشنطن بـ “إعلان شامل ودقيق” من بورتسودان يتضمن منشآتها وموادها، مع السماح لفرق التفتيش بزيارات ميدانية دون قيود.
وفقًا لتقارير ومعلومات متطابقة من ميدان المعارك في العاصمة الخرطوم، فإن أزمة الغازات السامة تتجاوز الترسانة التقليدية للجيش لتطال الحلفاء العقائديين. وتواترت معلومات مؤكدة تفيد بأن “مليشيا البراء بن مالك” الإسلامية تمتلك هذه القدرات الكيميائية واستخدمتها بالفعل في جبهات القتال، مما يزيد من تعقيد موقف الجيش الذي بات متهمًا إما بتوفير غطاء لهذه الجماعات، أو العجز عن السيطرة على انتشار أسلحة الدمار الشامل داخل حلفائه.
وفي شهادة ميدانية وسياسية بالغة الحساسية، كشف مساعد رئيس حزب الأمة القومي، عروة الصادق، عن تفاصيل تقع في قلب سيناريو الإخفاء وتطهير الأدلة الذي اتبعته السلطات في الخرطوم، حيث أشار إلى
إغلاق محيط القصر الجمهوري ووسط الخرطوم لحظر الحركة لأكثر من 6 أشهر لتنظيف الأرض من آثار الغازات.
كما كشف عن التخلص من بعض الضباط والأفراد الذين شاركوا في عمليات التنظيف (فر بعضهم لدول جوار). كما نوه بأن بقاء آثار ملوثة حتى الآن في مواقع حيوية مثل (مستشفى الخرطوم، مستشفى الشعب، أبراج النيلين، مبنى الإذاعة والتلفزيون، ومصفاة الجيلي).
كما اكد عروة الصادق انتشار أمراض مجهولة في الريف الشمالي لأمدرمان وشمال بحري جراء نقل الرياح للمخلفات الكيميائية. ويجمع المراقبون على أن سلطة بورتسودان تدير الأزمة الحالية عبر ثلاثة سيناريوهات متدرجة حاولت من خلالها امتصاص الصدمة، السيناريو الأول ، الإنكار والتشكيك
الآلية المتبعة. تحويل النقاش من مسار فني إلى مسار سياسي، واتهام واشنطن باستهداف الدولة وممارسة ضغوط مرتبطة بالحرب. الا ان هذا السيناريو فشل هذا تماماً بعد انتقال الملف رسمياً إلى مرحلة التحقق الفني الفعلي داخل المنظمة الدولية.
اما السيناريو الثاني المناورة الإجرائية من خلال الآلية المتبعة بإبداء المرونة من حيث المبدأ، ثم الدخول في دوامة “البيروقراطية” الطويلة عبر وزارة الخارجية التي يسيطر عليها عناصر الحزب المحلول، وذلك لعرقلة وإرجاء عمليات التفتيش. النتيجة والواقع الميداني للسنياريو الثاني تآكل عامل الوقت وزيادة الضغط الدولي الممارس على السلطة دون تحقيق أي مكاسب حقيقية.
و يأتي السيناريو الثالث في التعاون المشروط الآلية المتبعة من خلال السماح بزيارات أو إجراءات ميدانية محدودة، مع فرض حظر وقيود على المواقع العسكرية والمنشآت الحساسة بذريعة حماية “الأمن القومي”.
لكن يظل هذا السيناريو مهدداً بالرفض التام من المجتمع الدولي، نظراً لصرامة معايير التفتيش المنصوص عليها في اتفاقية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
حالياً تجد حكومة البرهان نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فالقضية تجاوزت التراشق السياسي المحلي لتصبح قضية امتثال لالتزامات تعاقدية دولية صارمة.
و يقول مراقبون سياسيون: “إذا استمرت بورتسودان في سياسة المماطلة، فإن الملف سينتقل سريعاً من خانة ‘الاتهام’ إلى خانة ‘عدم الامتثال’، وهو مسار قانوني في مجلس الأمن كفيل بفرض عزلة دبلوماسية مطلقة، وتشديد الخناق الاقتصادي، وربما شرعنة تدخلات دولية تحت بند حماية الأمن والسلم الدوليين، مما يجعل خيار ‘الشفافية الكاملة’ -رغم مرارته للسلطة- الأقل كلفة لمنع انهيار ما تبقى من شرعية دولية.”
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.