القائد جمعة حقار، والفريق جابر إسحق، واللواء فيصل صالح.. هل خسرت قيادات حركة مناوي دارفور وأرض المعركة؟
مناهل أبوقصيص
تجد قيادات حركة جيش تحرير السودان العسكرية والسياسية نفسها اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا منذ انخراطها في التحالف العسكري والسياسي الداعم للجيش السوداني وكتائب الحركة الإسلامية. فبعد سنوات من الحرب، وما صاحبها من تضحيات وكلفة بشرية وعسكرية، بات من المشروع، في رأيي، أن تطرح قيادات هذه الحركة، إن كانت تحمل قدرًا من العقلانية، على نفسها أسئلة صعبة حول حصيلة هذه التجربة، وما إذا كانت قد اقتربت من الأهداف التي دخلت من أجلها هذا التحالف، أم أنها أصبحت تدفع أثمانًا سياسية وعسكرية تفوق ما حققته من مكاسب.
وأوجه حديثي إلى القائد العام الفريق جمعة محمد حقار، ونائب القائد العام الفريق جابر إسحق أمبدي، ورئيس الأركان اللواء فيصل صالح معلا، باعتبارهم من القيادات التي تتحمل مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة. فالمراجعة ليست ضعفًا، والنقد الذاتي ليس تراجعًا، وإنما يمثلان جزءًا من مسؤولية القيادة عندما تتغير الوقائع على الأرض، وتتبدل موازين السياسة.
ومن وجهة نظري، فإن السنوات الماضية أظهرت أن أولويات الحلفاء ليست بالضرورة متطابقة. فلكل طرف حساباته، ولكل قيادة رؤيتها المستقبلية الخاصة، لا سيما الإسلاميين، لشكل السلطة بعد الحرب. وما يبدو مصلحةً لطرف قد لا يكون كذلك بالنسبة للطرف الآخر. ولذلك، فإن أي تحالف لا يقوم على وضوح الأهداف والالتزامات المتبادلة يبقى معرضًا للاهتزاز مع أول اختبار سياسي كبير.
لقد برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات خيانة وغدر، ولغة عنصرية مقززة، سواء عبر السجال السياسي أو النقاشات الإعلامية في الفضاء الرقمي، دفعت الكثيرين من أبناء دارفور إلى التساؤل حول طبيعة العلاقة بين الجيش والإسلاميين والحركات المسلحة، وحول مستقبل هذه الشراكة.. ولا أرى أن هذه التساؤلات ينبغي تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد ضجيج إعلامي، لأن الأزمات السياسية كثيرًا ما تبدأ بمؤشرات صغيرة قبل أن تتحول إلى خلافات يصعب احتواؤها.
وفي تقديري، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه حركة جيش تحرير السودان اليوم لا يتمثل فقط في خوض المعارك العسكرية، وإنما في المحافظة على استقلال قرارها السياسي، وعدم الاكتفاء بدور الشريك العسكري الذي يؤدي واجباته في الميدان فقط، بينما تُحسم القضايا السياسية في أماكن أخرى.. فالتجارب السودانية السابقة تؤكد أن من يدفع الكلفة الأكبر في الحرب ليس بالضرورة من يحصد المكاسب الأكبر عند الجلوس إلى طاولة السياسة.
كما أرى أن من حق قواعد الحركة ومقاتليها أن يعرفوا كيف تُدار التحالفات، وما الضمانات التي تكفل عدم تراجع دورهم في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية مقبلة. فالشفافية مع القواعد تعزز الثقة، وتمنح القيادة سندًا أقوى في مواجهة التحديات.
ولا يمكن، في رأيي، تجاهل حقيقة أن لكل طرف في هذا التحالف أولوياته الخاصة. فهناك من ينظر إلى الحرب باعتبارها معركة للحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وهناك من ينظر إليها باعتبارها مدخلًا لمعالجة المظالم التاريخية في الأقاليم، بينما يركز قادة الجيش والإسلاميون على شكل السلطة ومستقبل الحكم بعد انتهاء القتال. وقد أصبح هذا الأمر أكثر وضوحًا مع تطور الأحداث.
ومن هنا، فإن استمرار التحالف يحتاج إلى حوار صريح يعالج أسباب القلق المتبادل، ويحدد بصورة واضحة الحقوق والواجبات والأهداف المشتركة، بدلًا من ترك الأمور رهينة للاجتهادات أو الرسائل الإعلامية المتبادلة. فالتحالفات التي لا تُراجع نفسها باستمرار تكون أكثر عرضة للاهتزاز عندما تتغير الظروف.
وأرى أن من حقكم، في هذا التوقيت تحديدًا، الدعوة إلى مواقف سياسية وعسكرية قوية، إلى جانب مراجعة سياسية مسؤولة تضع مصلحة الحركة وجمهورها في المقام الأول. فالقيادات التي تتحمل مسؤولية اتخاذ القرار مطالبة أيضًا بتحمل مسؤولية تقييم نتائجه، خاصة عندما تتغير المعطيات وتظهر تحديات جديدة.
إن التاريخ لا يحاسب القيادات على الشعارات، وإنما على النتائج. ولذلك، فإن المرحلة الحالية تستدعي قراءة هادئة وواقعية لما تحقق، وما لم يتحقق، وما إذا كانت طبيعة التحالف الحالية ما تزال تحقق الأهداف التي قامت عليها، أم أنها تحتاج إلى إعادة نظر أو إعادة تعريف.
وفي الواقع، يبقى القرار بيد قيادات الحركة العسكرية والسياسية، لكنها تتحمل أيضًا مسؤولية الإجابة عن أسئلة قواعدها ومقاتليها، الذين قدموا تضحيات كبيرة خلال سنوات الحرب. فهذه الكلفة العسكرية الكبيرة تستحق، في رأيي، حوارًا صريحًا ومراجعة مسؤولة، بعيدًا عن المجاملات السياسية أو الحسابات الآنية، لأن مستقبل أي حركة سياسية أو عسكرية لا يُبنى فقط على التحالفات، وإنما على قدرتها على حماية قرارها المستقل، والمحافظة على ثقة من يمثلونها، وقراءة التحولات بعين واقعية تستشرف ما هو قادم قبل أن تفرضه الوقائع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.