الجزء الثاني
عندما تعجز منظومة الحماية… من يحمي أطفال السودان؟
لم تعد قضية تجنيد الأطفال في السودان مجرد أخبار متفرقة تتناقلها وسائل الإعلام، ولا مجرد تقارير حقوقية تصدرها المنظمات الدولية بين حين وآخر، وإنما أصبحت نمطًا متكررًا يفرض نفسه على الضمير الإنساني والقانوني. فمع استمرار الحرب واتساع رقعتها، أخذت التقارير الأممية، والتحقيقات الصحفية، والبيانات الصادرة عن المنظمات الوطنية والدولية، ترصد وقائع متزايدة على الأرض عن وجود أطفال في محيط العمليات العسكرية، سواء بحمل السلاح، أو المشاركة في الحراسة ونقاط التفتيش، أو نقل الإمدادات، أو أداء مهام لوجستية واستخباراتية، وهي جميعها تدخل في مفهوم استخدام الأطفال في الأعمال العسكرية وفق القانون الدولي.
ورغم اختلاف الجهات التي نشرت تلك التقارير، واختلاف أماكن الوقائع وأزمانها، فإن العنصر المشترك بينها جميعًا يكاد يكون واحدًا: أطفال سودانيون وجدوا أنفسهم داخل دائرة الحرب، بدلًا من أن يكونوا داخل المدارس، أو بين أسرهم، أو في ملاعبهم. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا:
كيف وصلت الدولة إلى مرحلة يصبح فيها الطفل هدفًا للتجنيد بدلًا من أن يكون محل الحماية؟
إن الإجابة لا تكمن في غياب القوانين، بل في انهيار منظومة الحماية ذاتها.
لقد أنشأت الدول الحديثة مؤسسات متعددة لحماية الأطفال، تبدأ بالأسرة، ثم المدرسة، فالشرطة، والنيابة، والقضاء، والوزارات المختصة، والمجالس الوطنية لرعاية الطفولة، وتنتهي بالرقابة البرلمانية والقضائية. غير أن الحروب الطويلة تُضعف هذه المؤسسات تدريجيًا، وقد تؤدي إلى توقفها عن أداء وظائفها، أو إلى فقدانها الفاعلية والقدرة على الوصول إلى السكان، أو إلى اتهام بعض المؤسسات أو العناصر التابعة لها، أو المجموعات المتحالفة مع أطراف النزاع، بارتكاب الانتهاكات نفسها التي يُفترض بها منعها.
وهنا تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا، لأن الحماية القانونية لا تقوم على وجود النصوص وحدها، بل على وجود مؤسسات مستقلة وقادرة على تنفيذها.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: من الذي ينفذ هذه القوانين عندما تنهار مؤسسات الدولة أو تصبح عاجزة عن أداء دورها؟ بل أصبح: هل توجد قوانين تحظر تجنيد الأطفال؟
والإجابة التي يقدمها القانون الدولي واضحة؛ فمسؤولية حماية الأطفال لا تسقط أثناء النزاعات المسلحة، بل تصبح أشد إلحاحًا. وهي مسؤولية تقع على عاتق جميع أطراف النزاع، سواء كانت قوات نظامية، أو جماعات مسلحة، أو تشكيلات متحالفة معها، دون تمييز بين جهة وأخرى. فلا يمنح القانون الدولي أي حصانة بسبب طبيعة التشكيل أو انتمائه، وإنما ينظر إلى الفعل ذاته: هل جُنِّد طفل؟ وهل استُخدم في الأعمال العسكرية؟ فإن ثبت ذلك، قامت المسؤولية القانونية وفقًا للوقائع والأدلة المتوافرة.
ومن هنا فإن المساءلة لا ينبغي أن تتوقف عند القوات الرئيسية وحدها، وإنما تمتد ـ متى توافرت الأدلة ـ إلى كل من شارك في تجنيد الأطفال، أو أمر به، أو سهله، أو تغاضى عنه، سواء كان قائدًا عسكريًا، أو مسؤولًا عن التعبئة، أو قائدًا لمجموعة مسلحة، أو أي شخص كانت له سيطرة فعلية على الأطفال المجندين. فالقانون الدولي لا يعاقب على الانتماءات، وإنما يحاسب على الأفعال والقرارات التي تُفضي إلى وقوع الانتهاكات.
لكن ماذا لو كانت أجهزة الدولة نفسها عاجزة عن التحقيق أو المحاسبة؟
هنا يبدأ دور منظومة الحماية الدولية والإقليمية. فالأمم المتحدة، عبر آلياتها المختلفة، ترصد الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في النزاعات المسلحة، وتجمع المعلومات، وتتحقق منها، وتصدر تقارير دورية، كما تتابع تنفيذ الالتزامات الدولية، وتدعو إلى الإفراج عن الأطفال المجندين وإعادة إدماجهم. كما تضطلع المنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها اليونيسف واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بأدوار مهمة في الوقاية، والحماية، ولمّ شمل الأسر، والدعم النفسي، والتعليم في حالات الطوارئ.
غير أن هذه الآليات، على أهميتها، لا تستطيع أن تحل محل الدولة، ولا أن تحمي كل طفل في كل قرية أو مدينة. ولذلك يبقى المجتمع السوداني نفسه هو خط الدفاع الأول، عندما تُشل المؤسسات أو تعجز عن الوصول والقيام بدورها.
وهنا يبرز الدور التاريخي لمنظمات المجتمع المدني السودانية، والمنظمات الحقوقية، ولجان الأحياء، والإدارات الأهلية، والقيادات الدينية، والمعلمين، والأطباء، والمحامين، والإعلاميين. فهؤلاء ليسوا أطرافًا في النزاع، لكنهم أطراف أصيلة في حماية المجتمع.
إن دور المجتمع المدني لا يقتصر على إصدار البيانات، وإنما يبدأ بالرصد المبكر لمحاولات التجنيد، وتوثيق الوقائع وفق المعايير القانونية، والتحقق من المعلومات، وإحالة الحالات إلى الجهات المختصة، وتقديم الدعم النفسي والقانوني للأطفال، والمناصرة من أجل إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى أسرهم ومدارسهم.
ولعل من أهم الدروس المستفادة من تجارب سيراليون وأوغندا وكولومبيا أن المجتمع المدني كان شريكًا أساسيًا في وقف تجنيد الأطفال، ليس لأنه امتلك سلطة السلاح، وإنما لأنه امتلك سلطة الحقيقة، وثقة المجتمع، والقدرة على توثيق الانتهاكات، وإيصال أصوات الضحايا إلى المؤسسات الوطنية أو الإقليمية أو الدولية.
إن حماية أطفال السودان لم تعد مسؤولية وزارة بعينها، ولا منظمة بعينها، ولا جهة دولية بعينها، وإنما أصبحت مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية مشتركة، لأن كل طفل يُنتزع من مقاعد الدراسة إلى ساحات القتال يمثل خسارة للسودان كله، لا لأسرته وحدها.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في وقف إطلاق النار، وإنما في وقف إطلاق النار على مستقبل السودان، لأن الطفل الذي يُجنَّد اليوم قد يصبح غدًا ضحية جديدة للعنف، أو شاهدًا على فشل المجتمع في حمايته، أو مواطنًا يحمل آثار الحرب في ذاكرته طوال حياته.
ولهذا فإن أول خطوة في طريق السلام ليست توقيع الاتفاقات، وإنما إعادة الأطفال إلى المكان الذي خُلقوا له: المدرسة، والأسرة، والحياة وسط المجتمع.
سنواصل ما انقطع من الحديث في الجزء الثالث.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.