بينما تسعى منصات إعلامية موالية لحكومة بورتسودان إلى تقديم صورة عن الخرطوم باعتبارها مدينة استعادت عافيتها، عبر مشاهد احتفالية ورسائل عن عودة الحياة إلى العاصمة، تكشف شهادات مواطنين من مدن الخرطوم الثلاث «الخرطوم، أم درمان، وبحري» عن واقع مختلف، تتداخل فيه المخاوف الأمنية مع انتشار السلاح وارتفاع معدلات النهب والجريمة المنظمة.
يرصد هذا التقرير، استناداً إلى إفادات مواطنين وشهادات من داخل الأحياء، جانباً آخر من المشهد في العاصمة، حيث يقول سكان إن مظاهر الاستقرار التي يجري الترويج لها لا تعكس حجم المخاوف اليومية التي تواجه المدنيين، في ظل تراجع قدرة مؤسسات الدولة على فرض الأمن وانتشار مجموعات مسلحة خارج الأطر الرسمية.
في أسواق العاصمة، لم يعد انتشار السلاح ظاهرة خفية، إذ تشير شهادات مواطنين إلى تحول بعض المناطق التجارية، من بينها سوق ليبيا في أم درمان، إلى نقاط نشطة لتداول الأسلحة والذخائر، في مشهد يعكس، بحسب مراقبين، اتساع دائرة الانفلات الأمني وتراجع الرقابة على حركة السلاح داخل المدن.
وتشير إفادات حصل عليها التحقيق إلى أن عمليات النهب في عدد من المناطق لا تبدو، وفق روايات السكان، مجرد حوادث فردية، بل نمطاً متكرراً يستهدف المواطنين والممتلكات، وسط اتهامات لمجموعات مسلحة وأفراد يرتدون أزياء عسكرية بالضلوع فيها، وهي اتهامات لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل.
أم درمان.. طرق تحولت إلى مناطق خوف
في مناطق مثل الشنقيطي وسوق صابرين وشارع الوادي، يتحدث سكان عن تزايد عمليات التوقيف والنهب تحت تهديد السلاح، مشيرين إلى تعرض مواطنين لفقدان هواتفهم وأموالهم ومركباتهم خلال تنقلاتهم اليومية.
كما تمتد الشكاوى إلى أحياء أخرى، بينها العمارات وبري ومايو، حيث يتحدث سكان عن اقتحامات لمنازل ومحال تجارية ونهب ممتلكات، وسط مخاوف من عودة أنماط الجريمة المنظمة في ظل ضعف الحماية الأمنية.
بحري.. مخاوف تتجاوز الممتلكات
في مدينة بحري، وتحديداً في منطقة شمبات، يصف مواطنون الوضع الأمني بأنه أكثر تعقيداً، مع استمرار مخاوف السكان من الاعتداءات المسلحة. ويروي سكان المنطقة حادثة الشاب عيد ناصر باعتبارها واحدة من الوقائع التي تعكس حجم القلق المدني من غياب الحماية والمساءلة، مع استمرار الجدل حول مسؤولية الجهات المسيطرة على الأرض عن حماية السكان.
إعلام الحرب.. بين الرواية الرسمية وواقع الشارع
ويبرز التحقيق فجوة بين الخطاب الإعلامي الذي يقدم العاصمة باعتبارها في طريقها إلى التعافي، وبين روايات سكان يتحدثون عن تحديات أمنية ومعيشية ما تزال قائمة.
ويقول ناشطون وصحفيون إن بيئة العمل الإعلامي داخل الخرطوم تواجه قيوداً كبيرة، حيث يواجه الصحفيون المستقلون صعوبات في الوصول إلى المعلومات ونقل الوقائع من الميدان، في ظل الاستقطاب الحاد المرتبط بالحرب.
وبحسب شهادات محلية، فإن بعض الفعاليات التي تُستخدم للدلالة على عودة الحياة الطبيعية لا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة للأوضاع الأمنية المحيطة بها، إذ تستمر شكاوى المواطنين من جرائم السرقة والنهب في مناطق مختلفة.
الخرطوم بين الدعاية والواقع
تكشف الشهادات التي جمعها التحقيق عن مدينة تعيش حالة من التناقض؛ فبينما تُقدم الخرطوم في بعض الخطابات باعتبارها استعادت الأمن، يواجه كثير من السكان واقعاً يومياً تحكمه المخاوف من السلاح المنفلت والجريمة وضعف المؤسسات القادرة على الردع.
وبين رواية تسعى إلى تثبيت صورة «الاستقرار» وروايات مواطنين يتحدثون عن استمرار المعاناة، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة السلطات القائمة على إعادة بناء منظومة أمن مدنية تضمن حماية السكان، لا الاكتفاء بتسويق مشاهد مؤقتة عن عودة الحياة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.