ينطلق حراك «ترس الشمال» من قناعة شعبية راسخة بأن الصادرات السودانية المتجهة شمالاً تمثل استنزافاً للاقتصاد الوطني في أحلك ظروفه
في وقت تمر فيه البلاد بأخطر منعطف في تاريخها المعاصر جراء الحرب المستمرة، برزت منطقة الشمال كجبهة مواجهة وطنية جديدة، ليس عبر السلاح، وإنما من خلال فرض الإرادة الشعبية عبر ما عُرف بـ”ترس الشمال”.
ولم يعد الترس مجرد احتجاج مطلبي، بل تحول إلى حراك سيادي يقوده قطاع واسع من المواطنين والشباب لحماية ثروات البلاد ومواردها الاستراتيجية، ووقف ما يصفونه بـ”الاستباحة الاقتصادية والسياسية” لبلادهم، لا سيما من الجانب المصري، الذي يرى فيه بعض المحتجين طرفاً مستفيداً من غياب الدولة واستنزاف مقدرات الشعب.
وينطلق حراك «ترس الشمال» من قناعة شعبية راسخة بأن الصادرات السودانية المتجهة شمالاً تمثل استنزافاً للاقتصاد الوطني في أحلك ظروفه.
وتتمثل أبرز ملفات هذا الاستنزاف، وفقاً لرؤية القائمين على الحراك، في تصدير كميات كبيرة من الماشية الحية، واللحوم، والسمسم، والفول السوداني، والذهب كمواد خام، دون تحقيق قيمة مضافة داخل السودان.
وتدخل هذه السلع الحيوية إلى الأسواق المصرية، حيث يُعاد تصنيع بعضها أو تصديره إلى الخارج بالعملة الصعبة (الدولار)، بينما لا يجني المواطن السوداني، بحسب منتقدي هذا الوضع، سوى التضخم وندرة السلع وارتفاع الأسعار محلياً.
ويرى القائمون على الترس أن التبادل التجاري الحالي يخدم طرفاً واحداً، حيث تستقبل مصر سلعاً سودانية استراتيجية تمس الأمن الغذائي، مقابل تصدير سلع استهلاكية لا تسهم في دعم الاقتصاد السوداني المتأزم.
وشهدت الآونة الأخيرة حالة من الغضب عقب تصريحات ونداءات صادرة من جهات ومنصات مصرية تطالب بـ»فض الترس» وتأمين حركة الشاحنات.
واعتبر الشارع السوداني هذه المطالبات تدخلاً في الشأن الداخلي، وتجاوزاً لحق السودانيين في إدارة قضاياهم الوطنية.
يرى أنصار الحراك أن مرحلة استغلال موارد السودان تحت لافتة “العلاقات الأخوية” قد انتهت
ويشدد القائمون على ترس الشمال على أن طريق شريان الشمال يقع بالكامل داخل الحدود السودانية، وهو شأن سوداني خالص، ولا يحق لأي جهة أجنبية، خصوصاً الجانب المصري، أن تملي على السودانيين كيفية إدارة أرضهم وطرقهم.
ويرى المحتجون أن التعامل الرسمي المصري مع السودان لا يزال متأثراً بمنظور تاريخي قديم، متجاهلاً التحولات الكبيرة والوعي المتنامي لدى الشعب السوداني، الذي يرفض، بحسب تعبيرهم، أن تُعامل بلاده كحديقة خلفية أو كمصدر للمواد الخام الرخيصة.
وصبّ المحتجون جام غضبهم على ما وصفوه بـ»صمت القبور» الذي تبديه سلطة الأمر الواقع بقيادة عبد الفتاح البرهان (حكومة بورتسودان).
ووفقاً لما يردده ناشطون في الحراك، فإن غياب الرد الرسمي على التصريحات والتدخلات الخارجية عزز قناعة لدى قطاعات من الشعب السوداني بأن السلطة الحالية لا تدافع عن مصالحهم، بل تفرط في السيادة والموارد مقابل مكاسب سياسية محدودة.
وأمام ما وصفوه بالتخاذل الحكومي، أعلن منظمو الترس أنهم لن يتخلوا عن المواطنين الذين يدافعون عن قضايا السيادة الوطنية، ووجهوا رسائل تحذيرية لأي جهات أمنية أو عسكرية قد تفكر في فض الترس بالقوة، مؤكدين أن أي محاولة للاعتداء على المواطنين ستواجه بتصعيد ميداني.
ويبدو أن “ترس الشمال” يرسخ اليوم معادلة جديدة في السودان: الأرض للسودانيين، وهم وحدهم أصحاب الحق في تقرير مصير مواردها.
ويرى أنصار الحراك أن مرحلة استغلال موارد السودان تحت لافتة “العلاقات الأخوية” قد انتهت، مؤكدين استمرار الترس كوسيلة للدفاع عن القرار الوطني ورفض أي وصاية إقليمية أو تدخلات خارجية.
ويبقى السؤال الأكبر: هل تكون معركة “ترس الشمال” مجرد احتجاج عابر على ظروف الحرب، أم بداية وعي شعبي جديد يرفض أن تُدار ثروات السودان بمنطق المصالح الضيقة والصفقات الغامضة؟
ففي بلد أنهكته الحرب، لم تعد قضية الموارد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبحت عنواناً للسيادة والكرامة الوطنية
. وبينما تتصارع القوى السياسية والعسكرية على السلطة، يرى قطاع من السودانيين أن المعركة الحقيقية تبدأ من حماية مقدرات البلاد ومنع تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للمصالح الإقليمية.
غير أن الاختبار الأكبر للترس سيظل في قدرته على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع وطني واضح، يحمي الحقوق دون أن يعمّق الانقسامات، ويضع مصلحة المواطن فوق حسابات الصراع. فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يرفع الشعارات، بل إلى دولة عادلة قادرة على حماية موارده وصون قراره الوطني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.