حرب استنزاف القوى البشرية.. متى يتوقف النزيف؟

سيف الدولة كمال

ليس أخطر ما في الحرب أنها تدمر المدن، أو تحرق القرى، أو تهدم الجسور والمستشفيات، وإنما أخطر ما فيها أنها تستهلك الإنسان نفسه، باعتباره الثروة التي لا يمكن تعويضها. فالمباني تُعاد، والطرق تُرصف من جديد، والاقتصاد قد يتعافى بعد سنوات، لكن الأرواح التي تُزهق لا تعود، والأجيال التي تُفقد لا يمكن استردادها.

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تحولت البلاد إلى مسرح مفتوح لاستنزاف غير مسبوق للقوى البشرية. عشرات الآلاف من القتلى، وفق تقديرات وتقارير متعددة، وملايين النازحين واللاجئين، وآلاف المفقودين، وجيل كامل حُرم من التعليم والاستقرار، بينما لا تزال آلة الحرب تعمل بلا توقف.

والأكثر مأساوية أن معظم من يسقطون في ساحات القتال ليسوا من صناع القرار، وإنما من الشباب الذين وجدوا أنفسهم بين نداء التعبئة، وضغوط الانتماء، وضيق الخيارات الاقتصادية، وخطابات التحريض التي تقدم الموت باعتباره بطولة، بينما يبقى صانعو القرار بعيدين عن خطوط النار.

لقد أصبحت الحرب، في كثير من جوانبها، حرباً لاستنزاف الإنسان السوداني أكثر من كونها صراعاً على الأرض. وكل يوم يمر يعني خسارة مزيد من الكفاءات، والأطباء، والمهندسين، والطلاب، والعمال، والمزارعين، والموظفين، والجنود من مختلف الأطراف.

ولا ينبغي أن يُختزل الحديث في أرقام الضحايا فقط، لأن وراء كل رقم أسرة فقدت عائلها، وأطفالاً تيتموا، وأمهات ينتظرن أبناءً قد لا يعودون، ومجتمعات محلية فقدت شبابها الذين كانوا يمثلون مستقبلها.

إن أخطر ما يميز هذه الحرب أنها لم تترك منطقة أو مكوناً اجتماعياً بمنأى عن آثارها. فقد دفعت مدن السودان وأقاليمه جميعاً ثمناً باهظاً، سواء عبر القتال المباشر، أو النزوح، أو انهيار الخدمات، أو توقف النشاط الاقتصادي، أو اتساع دائرة الفقر.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من يتقدم في هذه الجبهة أو تلك؟ وإنما: ماذا سيبقى من السودان إذا استمرت الحرب بهذه الوتيرة؟

فالدول لا تنهض بعدد البنادق التي تمتلكها، وإنما بعدد مواطنيها القادرين على الإنتاج والتعليم والإبداع. وكل شاب يسقط في هذه الحرب يمثل خسارة لرأس مال بشري كان يمكن أن يسهم في بناء البلاد، لا في دفنها.

ومن المؤسف أن الخطاب السائد لدى كثير من الأطراف لا يزال يتعامل مع الخسائر البشرية باعتبارها أرقاماً في بيانات عسكرية، بينما الحقيقة أنها نزيف مستمر يهدد وجود الدولة نفسها. فلا توجد حرب يمكن اعتبارها انتصاراً إذا انتهت بإفراغ المجتمع من شبابه.

ومن الناحية القانونية والإنسانية، فإن حماية المدنيين وتقليل الخسائر البشرية ليست خياراً سياسياً، بل التزام تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني على جميع أطراف النزاع، بما يشمل اتخاذ التدابير الممكنة لتجنب استهداف المدنيين، واحترام المرافق المدنية، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية.

كما أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح لا يضاعف فقط الخسائر الحالية، بل يورث الأجيال القادمة إرثاً من الانقسام والكراهية يصعب تجاوزه.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن السودان لا يخسر معركة هنا أو هناك، بل يخسر أبناءه كل يوم. وكلما طال أمد الحرب، تقلصت فرص التعافي، وازدادت كلفة السلام، واتسعت الفجوة بين ما كان يمكن إنقاذه وما أصبح خارج نطاق الإنقاذ.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يلاحق كل من يملك قراراً سياسياً أو عسكرياً: متى يتوقف هذا النزيف؟

فلا قيمة لأي انتصار يُبنى فوق مقابر آلاف السودانيين، ولا معنى لأي سلطة إذا كان ثمنها ضياع وطن بأكمله. إن أعظم انتصار يمكن أن يحققه السودانيون اليوم ليس كسب جبهة جديدة، وإنما كسب فرصة للحياة، ووقف نزيف الدم، وفتح الطريق أمام سلام يعيد للإنسان السوداني حقه الأول: أن يعيش.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.