مع تصاعد المعارك في إقليم كردفان، تواجه القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام اختباراً غير مسبوق، بعد تقارير متواترة عن خسائر بشرية وميدانية في صفوفها. ويثير هذا التطور تساؤلات متزايدة حول جدوى استمرار انخراط هذه الحركات في الحرب، وما إذا كانت تخوض معركة دفاعاً عن مصالحها السياسية، أم أنها أصبحت طرفاً في حرب استنزاف مفتوحة قد تهدد مستقبلها التنظيمي والعسكري. ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه قيادات الحركات، وعلى رأسها رئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، تأكيد دعمها للجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، معتبرة أن مشاركتها تأتي في إطار الدفاع عن الدولة ووحدة البلاد.
عندما وقعت الحركات المسلحة اتفاق جوبا للسلام عام 2020، كان الهدف المعلن هو الانتقال من العمل العسكري إلى المشاركة السياسية، ودمج القوات في المؤسسات النظامية، وإنهاء عقود من الصراع في دارفور.
في المقابل، ترى قوى سياسية ومراقبون أن استمرار الحرب يضع هذه الحركات أمام كلفة بشرية وسياسية متزايدة، خاصة مع سقوط أعداد من مقاتليها في جبهات القتال، ومع اتساع رقعة النزاع بعيداً عن المناطق التي نشأت فيها تلك الحركات.
من اتفاق سلام إلى جبهات القتال
عندما وقعت الحركات المسلحة اتفاق جوبا للسلام عام 2020، كان الهدف المعلن هو الانتقال من العمل العسكري إلى المشاركة السياسية، ودمج القوات في المؤسسات النظامية، وإنهاء عقود من الصراع في دارفور. لكن اندلاع الحرب في أبريل 2023 غيّر مسار تلك العملية، إذ عادت الحركات إلى ساحات القتال، هذه المرة كحليف للجيش، في مواجهة قوات الدعم السريع.
ويرى محللون أن هذا التحول نقل الحركات من موقع الشريك في عملية السلام إلى طرف مباشر في الحرب، بما يحمله ذلك من مخاطر تتعلق باستنزاف قواتها وإضعاف قدرتها على لعب دور سياسي في مرحلة ما بعد النزاع.
هل أصبحت مكاسب جوبا أولوية؟
يرى بعض الباحثين في الشأن السوداني أن قيادات الحركات المسلحة قد تنظر إلى استمرار نفوذها داخل مؤسسات السلطة الانتقالية باعتباره أحد دوافع التمسك بالتحالف العسكري الحالي، باعتبار أن أي تغيير جذري في موازين القوى قد ينعكس على المكاسب التي تحققت بموجب اتفاق جوبا. ويقول الباحث في النزاعات الإفريقية الدكتور محمد سليمان إن الحركات المسلحة تواجه معضلة حقيقية، تتمثل في “كيفية الحفاظ على مكتسباتها السياسية، دون أن تتحول إلى قوة تستنزف كوادرها في حرب طويلة لا تملك وحدها قرار إنهائها”. ويضيف أن استمرار الخسائر الميدانية قد يفرض على هذه الحركات إعادة تقييم استراتيجيتها، خاصة إذا لم تكن هناك رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب.
أبناء دارفور في قلب المواجهة
من أكثر الملفات إثارة للنقاش، بحسب مراقبين، أن نسبة كبيرة من مقاتلي القوة المشتركة تنتمي إلى إقليم دارفور، وهو الإقليم الذي دفع ثمناً باهظاً خلال أكثر من عقدين من النزاعات المسلحة. ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبد الرحمن يوسف أن استمرار الزج بمقاتلين من دارفور في جبهات تمتد إلى كردفان ومناطق أخرى “يعني أن الإقليم يواصل دفع كلفة الحرب، سواء من خلال النزوح أو الخسائر البشرية”، مشيراً إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون للحفاظ على الموارد البشرية للإقليم في مرحلة إعادة الإعمار. في المقابل، لا توجد أدلة مستقلة تثبت وجود مخطط منسق يستهدف القضاء على أبناء دارفور، رغم تداول هذا الطرح في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، ويبقى ضمن إطار الاتهامات والقراءات السياسية المتباينة.
مراقبون: الحركات المسلحة أصبحت أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تواصل الانخراط في حرب مفتوحة قد تستنزف قياداتها وقواعدها، وإما أن تدفع نحو إحياء المسار السياسي الذي تأسس عليه اتفاق جوبا.
تحالفات الحرب… وأسئلة المستقبل
يعتقد خبراء في الشؤون العسكرية أن التحالفات التي تُبنى أثناء الحروب كثيراً ما تتغير مع تغير موازين القوى. ويقول المحلل العسكري اللواء المتقاعد عصام الدين أحمد إن الحركات المسلحة قد تجد نفسها أمام تحديات كبيرة بعد انتهاء الحرب، تتمثل في إعادة دمج قواتها، والحفاظ على وحدتها الداخلية، والتوفيق بين دورها العسكري وطموحاتها السياسية. ويضيف أن طول أمد الحرب يزيد من احتمالات الاستنزاف، ويجعل أي مكاسب سياسية عرضة لإعادة التفاوض ضمن ترتيبات ما بعد النزاع.
بين البندقية والسياسة
يرى مراقبون أن الحركات المسلحة أصبحت أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تواصل الانخراط في حرب مفتوحة قد تستنزف قياداتها وقواعدها، وإما أن تدفع نحو إحياء المسار السياسي الذي تأسس عليه اتفاق جوبا. ويشير هؤلاء إلى أن التجارب السودانية السابقة أظهرت أن المكاسب العسكرية غالباً ما تكون مؤقتة، بينما تبقى التسويات السياسية أكثر قدرة على إنتاج استقرار طويل الأمد إذا توفرت الإرادة والضمانات اللازمة.
معركة الوجود
ومع استمرار المواجهات في كردفان، لم يعد السؤال مقتصراً على من يسيطر على الأرض، بل أصبح يتعلق أيضاً بمستقبل الحركات المسلحة نفسها. فكل خسارة بشرية تعني فقدان كوادر وخبرات تراكمت عبر سنوات، وكل يوم إضافي في الحرب يزيد من تعقيد فرص العودة إلى مشروع السلام الذي تأسست عليه اتفاقات جوبا. وبين حسابات السياسة وضغوط الميدان، تبدو القوة المشتركة أمام أصعب اختبار منذ توقيع اتفاق السلام، في وقت يزداد فيه الحديث عن أن مستقبل الحركات المسلحة قد يتحدد ليس فقط بنتائج المعارك، وإنما بقدرتها على مراجعة خياراتها قبل أن تتحول حرب الاستنزاف إلى معركة تهدد وجودها السياسي والعسكري.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.