الجميل الفاضل يكتب:

وينتهي زيفُ الشعارِ بانتهاءِ مراسمِ الدفن؟!

ليست بعضُ النبوءاتِ استشرافًا للغيب، وإنما هي معرفةٌ عميقةٌ بطبائع الأشياء، وقراءةٌ هادئةٌ لما تكتبه الأيام قبل الذي تكتبه الوقائع.
فحين قال الأستاذ محمود محمد طه إن تجربة جماعة الهوس الديني في حكم السودان، وركوبها ظهرَ الانقلابات، ثم احتمائها بالحرب عندما ضاقت عليها الأرض، ستكون «تجربةً مفيدةً للغاية، وأنها ستكشف زيف شعاراتها»، لم يكن يرمي سهمًا في ظلام السياسة، وإنما كان يقرأ التاريخ بعينٍ ترى ما وراء ضجيج هذه الشعارات الجوفاء؛ إذ كانت بصيرته تدرك أن الأفكار التي تستعير قداسة السماء لتغطي شهوة الأرض لا تُدحض بالمناظرات، ولا تسقطها الكتب، وإنما يفضحها الامتحان حين تُمنح سلطةً كاملةً، فتقف أمام الناس مجردةً من كل زينة.

وهكذا كان السودان، على قسوة هذه التجربة، هو المختبر الأكبر.

لقد فُتحت أمام هذا المشروع كل الأبواب، ومُدَّت إليه كل أسباب القوة، ومُنح من أدوات الدولة ما لم يُمنح لغيره، حتى لم يبقَ له عذرٌ يمكنه الاحتماء به، ولا خصمٌ يمكن تعليق الفشل على كتفيه.
وحين اكتمل الامتحان، خرجت حقيقة هذا المشروع البائس عاريةً من تحت ركام الشعارات؛ فإذا اللافتات التي ازدانت باسم الدين لم تكن تبني إنسانًا، ولا تعمِّر وطنًا، وإنما كانت، في كثيرٍ من تجلياتها، ستارًا كثيفًا لصراعٍ حول السلطة، ومطيةً لمصالح الدنيا، ومخزنًا هائلًا لتبرير الاستبداد.
ولذلك تبدو هذه الحرب، على هولها ومرارة أثمانها، كأنها واحدةٌ من تلك الأسرار التي لا تُقرأ من ظاهرها وحده.
إنها، في معناها العميق، أقرب إلى دروس «الخضر» الثلاث؛ ظاهرها خرابٌ يعصف بالديار، وباطنها اقتلاعٌ نهائيٌّ لوهمٍ طال مكثه في الوجدان، فضلًا عن سترٍ لكنزٍ ثمين ملَّ الناس انتظاره.
وكأن شعبًا بأكمله يدفع اليوم فاتورةً باهظةً، لا ليعبر بها جيله هذا وحده، وإنما ليحمي أجيالًا لم تولد بعد من السقوط مرةً أخرى في غواية المتاجرة بالمقدس، وتحويل الدين من رسالة هداية إلى وسيلة حكم، ومن نورٍ يحرر الإنسان إلى نار تسلبه حريته.
وقد صدق إبراهيم بن أدهم حين قال: «رقعوا دنياهم بتمزيق دينهم.»
فما بقي من دنياهم التي سعوا إليها من جاه ومال وسلطان، ولا بقي لدينهم الذي رفعوه شعارًا من هيبةٍ شيءٌ، بعد أن رأت الأبصار مآلات هذه التجربة على أرض الواقع.
فحين سقطت الحجب، لم يبقَ في اليد إلا السلاح، وكأن البندقية كانت الاعتراف الأخير بفقر الفكرة، وعجز المشروع، وإفلاس الشعار.
ومن هنا تنبسط مشارع الحق، وتعلو منارات الوعي، لتستقيم بوصلة الضمير.
فلم يعد السوداني في حاجةٍ إلى متاهات التأويل، ولا إلى دهاليز الخطابة؛ إذ أصبحت البوصلة المعكوسة كافيةً للاهتداء: فكل ما يقف في الجهة المقابلة لهذا النموذج أقرب إلى التعافي، وكل ما يتسامى عليه من عَلٍ، ويرفض منطقه ومنهجه، أحق بأن يحمل بذرة المستقبل.
إذ لن يبقى هذا الغبار الكثيف إلى الأبد.
فالغبار ابنُ الحركة، أما الحقيقة فابنةُ الزمن.
وما السلاح الذي يعلو صوته اليوم إلا الصراخ الأخير لجسدٍ أنهكه الموت قبل أن يعترف به.
فالأفكار العقيمة، حين تستنفد حيلها، لا يبقى لها إلا الحديد، وحين تفقد مشروعيتها، تستعير شرعيتها من فوهة البندقية؛ لكن البنادق، مهما طال صخبها، لا تستطيع أن تمنح فكرةً حياةً جديدة، ولا أن تعيد إلى شعارٍ سقط في امتحان الواقع شيئًا من بريقه الأول.

على أية حال، عندما يسكت الرصاص، وتطوي المدافع آخر صفحاتها، لن تكون نهاية الحرب وحدها هي التي حضرت؛ بل نهايةُ مرحلةٍ كاملةٍ من الوهم السياسي، تضع آخر حجرٍ على قبر الشعارات التي استنفدت كل فرصها، واستهلكت آخر أعذارها.

وحينها لن يكون المشيعون لجنازة الشعار أفرادًا أو خصومًا، وإنما سيكون التاريخ نفسه هو الذي يتلو عليها صلاة الوداع.
لينهض السودان، كما اعتاد دائمًا عبر القرون، من بين هذا الرماد؛ لا يحمل ثأرًا للماضي، وإنما يحمل حكمة العبور.
وطنًا لا يستعير شرعيته من الوصاية، ولا من احتكار الحقيقة، إنما من إرادة مواطنيه جميعًا؛ وطنًا تتسع سماؤه للتعدد، وتستند دولته إلى العدالة، يتقدم فيه الإنسان على الشعار، والضمير على الأيديولوجيا، والحياة على كل مشاريع الموت.
فبعض الجنائز لا تُدفن فيها الأجساد فقط، إنما تُدفن تحتها كثيرٌ من فقاقيع الأوهام الكبرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.